[1]
الرصاص لا يصيب دائماً الجسد.
أحياناً يمرّ من الرأس إلى الذاكرة،
يثقب صور العائلة،
فتتساقط كرملِ الكثيب المنهار،
تنزف أطرافها بلا صرخة وداع.
حليمة:
«لم أغادر. ولن أغادر.»
الجيران يسألونها:
«الموت هنا… فماذا يبقيك وسط الجحيم وروائح تعفّن الجثث؟!»
فتردّ:
«الموت هنا ذقناه… وإذا تركنا ديارنا متنا بذلّ النزوح ومهانة السؤال.»
[2]
البيت؟
لم يعد بيتاً.
حجارة مبعثرة،
سقف نصفه في السماء ونصفه في التراب.
لكن…
ثمة باب صغير للغرفة ما زال قائماً.
باب يفتح ويغلق بلا مفتاح،
يوهمها بأنها ما تزال تحيا.
تخبئ خلف رتاجه ابنتها الصبية،
خوفاً من ذئاب بشرية تتربّص بالصبايا.
[3]
«دفنت زوجي بيدي.»
يختلط صوتها مع هدير الطائرة.
«ابني الكبير… ثم الصغير… ثم ابنتي التي كانت عروساً…»
الجملة تنكسر،
تخنقها الغصّة…
وجنينها الذي لم يرَ الشمس.
فالتراب لا يميّز بين أعمار الموتى.
[4]
في الطريق إلى التكيّة:
يتسلل الناس بين ركام البيوت
وأزيز الرصاص الذي لا يحترم هدنة،
بحثاً عمّا يسدّ الرمق
أو يملأ الطناجر بكسرة خبز أو بليلة.
جثة مقطوعة الرأس،
وأيادٍ في عنفوان شبابها ما زالت مرصّعة بالخواتم…
كلاب تتلذذ بلحوم القتلى المتناثرة.
عسكري يضحك وهو يطلق النار في الهواء.
وحليمة تمرّ،
وما في طنجرتها كفاف.
ابنتها الصغيرة تنتظرها،
تتشبث بالباب الوحيد،
يرتعش قلبها خلف رتاج
آخر غرفة من بقايا الحطام.
[5]
أصوات…
صوت الجارة:
«ارحلي معنا يا حليمة… الطريق مفتوح، والمدينة الآمنة غير بعيدة.»
صوت الزوج من القبر:
«ابقي… لا نعرفك إلا هنا.»
صوت ثالث، من داخل رأسها:
«من يغادر… يموت مرتين.»
[6]
الليل.
القصف يكتب نصاً على جدران البيت:
كل دانة فاصلة،
كل رصاصة نقطة،
كل شهيد كلمة ناقصة،
وللضحايا سطر جديد.
[7]
الغرفة.
الباب.
الابنة الصغرى نائمة.
الأم تحدّق في السقف.
هل هذه حياة؟
أم بقايا حياة؟
أم لعبة ما بعد الحياة؟
(هذا ما قاله السارد)
[8]
(صوت الراوي ينسحب فجأة)
يهرول… تطارده الكلاب،
ورصاص لا يهدأ أزيزه،
وعيون قتلى،
وكوابيس المنام.
الكاتب مبارك اسماعيل ودحمد