إذا ما عدنا إلى الأعمال الروائية التي تناولت الثورة الفلسطينية سنجدها محدودة. وهنا أذكر رواية “حبيبتي مليشيا” لتوفيق فياض، “الرب لم يسترح في اليوم السابع، آه يا بيروت، بيروت بيروت” لرشاد أبو شاور، “نشيد الحياة” ليحيى يخلف، “مليحة، الشمس تولد من الجبل” لمحمد البيروتي. ويعود هذا الشح إلى عدة أسباب، منها: الاهتمام بأدب المقاومة في الأرض المحتلة، وإلى عدم الاهتمام روائياً بتدوين أعمال وأفعال ونهج الثورة كثورة.

“مهند طلال الأخرس” انتبه إلى هذا النقص، وأخذ على عاتقه تعبئته، فكتب “تحت ظل خيمة، سافوي، الجرمق”. وهو بهذا يتماثل مع ما قدمه “أبو شاور” روائياً. وإذا علمنا أن هناك زمناً (طويلاً) بين الأحداث الروائية وكتابتها، نعلم حجم المشقة والجهد والبحث الذي بذله الروائي لإنجاز أعماله الروائية.
الفدائي
في زمن تتكالب فيه الأقلام المشبوهة للنيل من الثورة الفلسطينية، وتقديمها كمشروع وُجد لخدمة الأعداء والاستعمار، يأتي من يرد على هؤلاء رداً حاسماً، رداً أدبياً، مؤكداً أن الثورة الفلسطينية كانت أنبل ظاهرة وجدت في التاريخ العربي المعاصر. فكان الفدائي يتماثل مع النبي الذي نذر نفسه وحياته وجهده وفعله لخدمة وطنه وشعبه وقضيته.
“غضنفر” يحدثنا عن عملية “فندق سافوي” التي تمت في 5/3/1975، من بداية الإعداد لها، ومراحل تنفيذها، وتفاصيل الاشتباكات التي تمت بين الفدائيين وبين قوات الاحتلال، حتى أسره مع طاقم السفينة.
في بداية الاستعداد والتدريب على العملية كانت هناك شروط يجب توفرها لنجاحها، منها:
“لم يكن مسموحاً لنا السؤال عن الخطوة القادمة، كل ما هو مسموح لنا أن نحلم بالتحرير والعودة” (ص29).
هذا الكتمان عن المراحل اللاحقة، يشير إلى انضباط الفدائي والتزامه بالتعليمات، وثقته المطلقة بقيادته، فقد سلم نفسه لمن هم أهل لتحرير فلسطين.
قبل تنفيذ العملية تم أخذ صورة جماعية لكل أفراد الخلية، لكن الصورة:
“لم يسمح لأحد منا بأن يحتفظ بنسخة منها” (ص112).
وهذا يعود إلى الحرص الأمني والسرية التي تلازم العمل الفدائي، وأيضاً يشير إلى حرص القيادة على الاحتفاظ بصور للفدائيين، بمعنى أن الثورة تهتم بعناصرها وتوثق بطولاتهم.
يصف لنا السارد طريقة ووقت الإبحار إلى فلسطين بهذا الشكل:
“كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة من مساء يوم الخامس من آذار حين ركبنا البحر إلى أجمل رحلة في الكون، رحلة العودة إلى شواطئ يافا… كأن من يمخر البحر هي أحلامنا، وليست الحقيقة، للوهلة الأولى بدا وكأننا غير موجودين، ولولا تنبيهات خضر ونايف للجميع إن كان هناك أحد آخر يريد قضاء حاجته لما عدنا من شرودنا” (ص176).
نلاحظ دقة تحديد الوقت الذي يشير إلى نشوة المجموعة الفدائية ولهفتها للوصول إلى فلسطين، إلى يافا. فالسارد لا يقدم لنا عملية فدائية قتالية، بل رحلة استجمام، رحلة فرح، رحلة لقاء الأحبة. من هنا وجدناهم يحلمون / يفكرون بمن يحبون، بفلسطين وبحرها، بحر يافا.
كما نلاحظ أن السارد يتجاهل التسمية الصهيونية “تل أبيب” ويستخدم “يافا” الاسم الفلسطيني العربي. وهذا أيضاً متعلق بالحالة النفسية والوجدانية التي يعيشها أبطال العودة، فهم يريدون مدنهم كما هي، كما كانت، دون تشويهات أو إضافات.
يستمر السارد في الحديث عن رحلة العودة بقوله:
“ومع كل ضربة مجداف بالبحر كنا نصر أكثر على الوصول والنصر، طلب منا خضر أن نتناوب على التجديف مناصفة، كان النصف المستريح من التجديف يشبع أعينه من جمال المنظر، بدت فلسطين أقرب أكثر من أي وقت مضى” (ص180).
مرة أخرى يؤكد السارد أنهم في رحلة استجمام، رحلة العودة ولقاء الأحبة، متجاهلين / ناسين أنهم ذاهبون في مهمة عسكرية. وهذا يعود إلى عشقهم للمكان الذي ينتمون له، فهالة المكان وقدسيته جعلتهم يستمتعون بمنظر بلادهم وهم قادمون إليها. هكذا هو الفدائي الذي يجعل مشاعره هي من تقوده، فكانت فرحتهم وسعادتهم وبهجتهم برؤية فلسطين تنسيهم الخطر المحدق أمامهم.
الفدائي ليس مجرماً ولا قاتلاً، بل صاحب قضية، وما حمله البندقية إلا ليسترد وطنه السليب. بعد وصول المجموعة إلى شاطئ يافا، يجدون فتاة مع شاب. الشاب يولي هارباً والفتاة ترفض الابتعاد وتصر على السير مع المجموعة، وهنا يحدث إرباك بين أفرادها، مما حدى “بخضر” مخاطبة المجموعة:
“اعتبروني لم أحسن التصرف معها، لكني لن أقتلها، ومن أراد فليفعل هو ذلك، أما أنا فلا، مهمتنا أخذ ما نستطيع من الأسرى ومبادلتهم بأسرانا، لسنا قتلة، نحن مناضلون وأصحاب قضية عادلة” (ص185).
اللافت في هذا الموقف الجانب الإنساني، فرغم الخطورة التي يمكن أن تشكلها الفتاة عليهم، إلا أن القائد رفض قتلها، وآثر المخاطرة بالمجموعة وبالعملية – رغم أهمية العملية، مبادلة رهائن بأسرى – على الإقدام بعمل غير إنساني. وهذا يشير إلى الأخلاق والمثل العليا التي يتمتع بها الفدائي، فالقيم الثورية تحول دون قتلهم أبرياء، حتى لو كانوا يشكلون خطراً على حياتهم ومهمتهم. وهذا رد على كل من يشوه الثورة ويذم فدائييها.
هذا الموقف الإنساني لازم العملية حتى في تنفيذها. تقوم المجموعة بوضع الأثاث كتحصينات أمام باب الفندق، ومن ضمنها بيانو، لكن إحدى العاملات في الفندق تتضرع بعدم وضعه لقيمته الأثرية، وهنا تستجيب المجموعة لطلبها، رغم أن البيانو من مسروقات الاحتلال للبيوت الفلسطينية عام 48.
أثناء العملية يصاب “نايف” برصاصة، فكيف تعامل مع هذه الإصابة؟:
“تلك الرصاصة لم استطع تجنبها، لكنها حسناً فعلت، فهي جرس الإنذار الذي ينبهنا، تلك إشارة من الله كنا بحاجتها” (ص200).
نلاحظ الثقة بالنفس، وعدم الفزع، لا من المصاب ولا من بقية المجموعة. وأكثر من هذا تعامل “نايف” مع الإصابة على أنها (خير) من الله لأنها أنذرتهم بخطورة وضعهم. وهذا يؤكد صورة الفدائي النبي، صورة الفدائي المغوار، الذي يحسن التصرف والتعامل مع كل الحالات والظروف.
وعندما يستشهد “خضر” – قائد المجموعة – نظر رفاقه إلى استشهاده بهذا الشكل:
“لمع ذلك النجم الساطع، فتح الباب، لمع ذلك الضوء الساطع الذي يسلبنا عيوننا، سقط خضر، تمكنت منه رصاصة واحدة، تكفلت تلك الرصاصة بحجز مقعده في الجنة، أصبح لفلسطين نجمة جديدة في السماء” (ص202).
نلاحظ الجلد والثبات حتى عندما يستشهد القائد. فالمجموعة تعاملت مع استشهاده كإنجاز لهم ولفلسطين، لهذا تحدث السارد عن النجمة والضوء الساطع في سماء فلسطين. وهذا ما يميز المقاتل صاحب العقيدة، صاحب القضية العادلة، قضية فلسطين.
وهذا يمثل رداً على كل من يذم الثورة والفدائيين. فالفاشلون / الخونة / المنبطحون يريدون إلصاق صفاتهم وطبيعتهم القذرة بالنبلاء، أنبياء هذا العصر. لكن هيهات لهم النيل منهم ومن مكانتهم ومن فضائل أعمالهم وأفعالهم، فهم نجوم السماء التي يسترشد بها كل (ضائع / تائه) يريد الوصول إلى بيته، قريته، مدينته، بلاده.
العاطفة
الفدائي ليس آلة / ماكنة، بل هو إنسان يحمل مشاعر حساسة، وهذه المشاعر هي ما يميز الفدائي / النبي. “الحاجة سرحانة” التي فقدت زوجها وابنها شهداء، تأتي إلى معسكر التدريب تبحث عن “ابنها ذيب” الذي تلتقي به. اللقاء كان عاطفياً مثيراً، حتى أن رفاق “ذيب” تركوا التدريب وعادوا إلى مهاجعهم دون إذن أو قرار من قائد المعسكر:
“لم نكن بحاجة لصفارة الانصراف لنتفهم طبيعة وإنسانية الموقف، فالحنين أخذ منا مأخذه وضاقت عيوننا وغابت خطواتنا باتجاه المهجع” (ص42).
إذا ما توقفنا عند هذا المشهد نتأكد أننا أشخاص يحملون أحاسيس مرهفة، وأنهم ليسوا قتلة ولا مجرمين، وأنهم لا يلتزمون بشكلية القوانين، بل بروح القوانين والتعليمات. لهذا تركوا “ذيب” مع أمه “سرحانة” يشبع كل منهما من الآخر.
والفدائي عاطفي بطبيعته. مشهد لقاء “ذيب” و “أمه سرحانة” فجر في “غضنفر” حاجته لأهله، لعائلته:
“على السرير… غمرت نفسي تحت وسائد السرير وألحقتها بكل الأغطية والحرامات الموجودة… وتكورت على نفسي، علي أخفي الدموع، لم أعرف حينها أن الدمع له أصوات” (ص44).
عندما تحدث السارد عند هذا المشهد أراد به تأكيد إنسانية الفدائي وعاطفته الجياشة. فبدا “غضنفر” كشاعر، كطفل وليس مقاتلاً. هذا هو الفدائي، الإنسان، الحنون، المحب، العاطفي. هذا المشهد يكفي لإزالة كل التشويهات التي يحاول العدو ومن لف لفه إلصاقها بالفدائي.
الأسماء الحركية
ويحدثنا عن الأسماء الحركية وضرورتها الأمنية للفدائي، فكان يمنع تداول الاسم الحقيقي الذي لم يكن يعرفه إلا القادة فقط:
“فأبو جهاد بالإضافة لسعد صايل أبو الوليد وعزمي الصغير من يعرفون الأسماء الحقيقية للمنتسبين” (ص39).
ولم تكن الأسماء الحركية تطلق جزافاً، بل هناك فلسفة ثورية من ورائها:
“لأسباب تتعلق بالوفاء لمن سبق وصدق، والتزاماً منا بالسير على نهجهم، وأضاف آخر: لأن هذه الأسماء هويتنا القادمة وبها ننتقم من أعدائنا وننتصر على ذات الأنا، وقال آخر: لأنها خيارنا الذي نحب، لا خيار من أحبونا وأسمونا” (ص17).
مثل هذه الرؤية تنم على أن الأسماء الحركية تخدم أكثر من هدف: الناحية الأمنية، التذكير بمن سبقوا وتقدموا نحو الشهادة وأوفوا العهد لفلسطين ولشعبها، وما يتبع ذلك من معنويات وروح قتالية، وإصرار على تكملة طريق الشهداء. إضافة إلى نكران الذات وتأكيد حالة الولادة الجديدة للفدائي الذي يتحرر من واقعه كمشرد بعيداً عن وطنه، وتأكيد انفصاله عن الواقع الرسمي العربي وما فيه من هزائم.
وبهذا تكون الأسماء الحركية أكثر من مجرد تغيير شكلي، لأنها متعلقة بفلسفة الثورة ونهجها نحو التحرير الذي يتغذى ويتقوى به من يريد مواصلة درب الثورة، وينظر إلى الأمام، إلى فلسطين الحرة والمتحررة من الاحتلال.
الكاتب والناقد رائد الحواري