إن التعامل مع الفقر لا يمكن أن يظل مجرد قراءة لتقرير اقتصادي؛ لقد علمنا الأدباء على مر العصور أن الفقر هو في جوهره أزمة كرامة وإقصاء روحي. الأدب، بمشرطه الدقيق، يغوص في التفاصيل المؤلمة، مبيناً أن خسارة المال يتبعها فقدان “الكساء الاجتماعي”، أي الغطاء الذي يحمي الإنسان من نظرة الازدراء والأحكام المسبقة.
الأديب لا يكتفي بالوصف السطحي، بل يشرح آليات العزل. فكما وصف أبو العتاهية كيف أن الحرمان يفقِد المرء مصداقيته الاجتماعية، وكما جسّد تشارلز ديكنز في رواياته القسوة المؤسساتية التي تضطهد الفقراء، فإن هذا التعبير المشترك يحول الفقر من مشكلة فردية إلى قضية مسؤولية مجتمعية. الأدب هو الذي منحنا “مفردات الغضب” ضد الظلم، وليس مجرد “مفردات الشفقة”.
هذا الوعي الأدبي يفرض علينا التساؤل: هل يكفي “الكلمة الطيبة”؟ لا. الكلمة ضرورية، لكنها ليست حلاً. الحكمة تقتضي الانتقال من الإحسان إلى الشراكة البناءة. علينا أن ندرك أن التعفف أغلى من المساعدة، وأنه يجب أن تُقدَّم المساعدة بأسلوب يحفظ كرامة المتلقي، بعيداً عن أعين الناس أو الإذلال.
إن الترجمة الحقيقية لهذا الوعي هي من خلال مشاريع التمكين الواقعية؛ توفير القروض الحسنة والفرص التدريبية، لكسر دائرة العوز. هذا الفعل هو الذي يعيد للفقير “كساءه الاجتماعي” المسلوب، ويمنحه السيطرة على مصيره. الأدباء أدركوا أن أعظم ما يفقده الفقير هو هذه السيطرة، وواجبنا الأخلاقي الآن هو إعادة خيط حياته إليه، لا مجرد فتات موائدنا. ألا يستحق هذا الإنسان منا أكثر من مجرد إعانة عابرة؟
الكاتب ماجد القيسي