أدب المقاومة في مجموعة “وقال الطائر الذبيح لا” للكاتب سمير عزت نصار قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري

 

بداية أشير إلى أن تأخير إصدار الأعمال الأدبية يعد ظلمًا للعمل وظلمًا لكاتبه، فالأدب يجب أن يُنشر في حينه، في وقت الانتهاء منه، خاصة في الحالة الفلسطينية، لأن الأدب يعد (وثيقة) تؤرخ للحالة التي يمر بها الفلسطيني.

وهنا نذكر بثلاثية “فصول من حكايا بلدنا” للروائي محمد عبد الله البيتاوي، التي تتناول حالة الضفة الغربية قبيل عام 1967 وما بعده — مرحلة بداية العمل الفدائي الفلسطيني — حيث تعد هذه الثلاثية من أهم الأعمال الروائية التي كُتبت في سبعينيات القرن الماضي، لكنها نُشرت في أواخر التسعينيات، مما حرمها من حقها في البحث والدراسة، كما حرم كاتبها من أن يكون في طليعة الروائيين الفلسطينيين الذين تناولوا المقاومة، وحرم القراء من الاطلاع المبكر عليها.


 المجموعة وبنيتها

مجموعة “وقال الطائر الذبيح لا” مكونة من أربع قصص:

  • اليد الراقصة — كتبت في 16/3/1968

  • الابتسامة الأخيرة — كتبت في 15/4/1969

  • عصا — كتبت في 1/8/1971

  • دماء ودماء في القطاع — كتبت في 7/9/1971

نلاحظ أنه لا يوجد قصة بعنوان المجموعة نفسها، ما يشير إلى أن القاص أراد إيصال فكرة الرفض الفلسطينية من خلال المضمون العام، فجعل العنوان بمثابة صرخة رمزية تدفع المتلقي للبحث في عمق القصص عن معنى “اللا” الفلسطينية.


✦ الواقعية النقدية وصورة المجتمع

في المجموعة، نجد الاحتلال وأعماله الوحشية تجاه الفلسطيني، ونجد الفلسطيني حاضرًا وفاعلًا ومؤثرًا، وليس مجرد متلقٍ للصفعات.

القاص لم يقدم المجتمع الفلسطيني على أنه نقي أو مثالي، بل مجتمع حقيقي فيه الصالح والطالح.

في قصة “اليد الرافضة”، نجد ثلاثة إخوة يمثلون نماذج المجتمع الفلسطيني:

  • سعدي: عميل الاحتلال.

  • محسن: الفدائي المقاوم.

  • محيي: المحايد المتردد.

هذا التعدد في الاتجاهات يرمز إلى تنوع الموقف الفلسطيني بين الخيانة والمقاومة والحياد.


 منطق الخيانة والرفض

يبرر سعدي خيانته بقوله:

“ما فائدة كل ما كنا نفعله؟ تظاهرات ورفع أعلام وتمجيد أبطال قوميين وهميين، ماذا فعلوا لنا؟ هربوا عند أول طلقة…” (ص17)

هذا القول يحمل إدانة لواقع النظام العربي الرسمي الذي خذل الفلسطينيين، مما جعل الخيانة تبدو ـ من منظور المهزوم ـ نتيجة للهزيمة والانكسار العربي.

أما محسن الفدائي فيقول:

“أتعاون مع أخي حتى لو ظلمني، أما أن أتعاون مع عدوي، فأمر آخر… عدوي هو الظالم.” (ص16)

هنا يظهر منطق الرفض والمقاومة في أبسط صورها، rooted في الثقافة الشعبية الفلسطينية.


النقاء الأسري والوطني

“إنني سأذهب حتى تفخر أمي بابنها حين تواجه الأمهات الأخريات…” (ص18–19)

هذا المقطع يعكس نقاء الوجدان الفلسطيني الذي يُقدِّم التضحيات لاستعادة الكرامة، ويُظهر التماهي بين العائلة والوطن والمبدأ.


 الشكل الفني والرمزية

القاص استخدم تداخل الزمن والأحداث، مقدِّمًا الأحداث بتركيب غير خطي يزيد من تشويق القارئ.
كما استخدم الرمز بكثافة:

“أطبقت يد الرجل العسكري القوية على يد اللحم الدسم فكادت تخنقها.” (ص9)

في هذا المشهد، تتجسد سطوة الاحتلال مقابل ضعف الخاضع له.
أما رفض سامي الطفل مصافحة ضابط الاحتلال فيمثل ولادة جيل جديد من الرافضين:

“أحس الضابط بثقل يده الممدودة… رأى الولد يعانق يديه خلف ظهره…” (ص23)

الرمزية هنا تترجم عنوان المجموعة “وقال الطائر الذبيح لا”، فالصوت المقاوم يأتي حتى من طفل.


 قصة “الابتسامة الأخيرة”: الراعي المقاوم

“يا خواجه: العشب يصل إلى الأكتاف… دعوا أغنامنا تستفيد من هذا العشب.” (ص19)

لكن الجندي الإسرائيلي يجيبه بازدراء:

“ممنوع، ممنوع!” (ص28)

لتنفجر لحظة الرفض:

“ممنوع في عينك يا ابن الكلب…” (ص29)

وينتهي المشهد بانقلاب المعادلة:

“ـ أمرك يا حمدان؟” (ص38)

القاص هنا يعيد بناء مفهوم القوة، حيث يتحول الراعي الأعزل إلى رمز للكرامة والانتصار الفردي أمام جيش كامل.


قصة “عصا”: الرمز والفانتازيا

“الأرض يا ولدي، لا بد من غذاء لها لتشبع…” (ص52)

القاص يجعل الأرض كائنًا حيًا، ويحول العصا إلى رمز للفداء المقدس، مستمدة من “شجرة مباركة” (ص55).
وعندما يُقتل “قاتل الذئاب”، تبقى العصا في يده، وترفض الانفصال عنه (ص63–65)، في مشهد فانتازي يجمع قدسية الشهادة والمقاومة.


 قصة “دماء ودماء في القطاع”: الماضي يعانق الحاضر

القصة تستحضر مجازر الاحتلال في غزة بين 1967 و1970، وتربطها بواقع اليوم في غزة:

“يجمعونهم في ساحة الملعب حتى يغص بهم… تنهال العصي على ظهور الكبار والصغار…” (ص83)

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما يجري اليوم في “سدي تيمان”، مؤكداً استمرارية الفاشية الإسرائيلية.

“أدخلوا البيوت وحطموا كل شيء… أضربوا كل من يتنفس بقسوة…” (ص108–109)

الوحشية ذاتها، ولكن بأدوات أكثر دموية اليوم.


البنية السردية واللمسة الروائية

القصة تمتد على 64 صفحة وتستخدم تعدد الساردين، حتى أنها تمنح العدو مساحة للتعبير عن ذاته:

“يقوم بهذا العمل مقابل 28 دولارًا قدمتها له عصابات إجرامية…” (ص130)

كما يكشف السارد ازدواجية الصحفي الصهيوني الذي يظهر في النهاية:

“هذه هي طبيعتكم أيها العرب، أنتم عاجزون حتى عن التعبير عن وجهة نظركم…” (ص129)

ما يجعل القصة تتجاوز القالب القصصي نحو الرواية القصيرة.


 ملاحظات نقدية

  • خطأ مطبعي في ص49: “الشابالمحصن” والصحيح “الشاب المحصن”.

  • تكرار فقرة كاملة في ص90 و91.


المجموعة من منشورات دار النسر للنشر والتوزيع، عمان – الأردن، الطبعة الأولى 1990.

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *