أول ما يجذب أنظارنا في ثنائية فؤاد حجاج «غربة وطن» بعد الإهداء، هو المدخل إلى عبد العال…
اثنا عشر سطرًا شعريًا شكّلوا هرمًا، وتحققت فيهم البنيوية الشعرية.
إن البنيوية الشعرية عند فؤاد حجاج ترتكز على عمودين أساسيين، هما الوصف والتحليل، يتفرع منهما مرتكزان ثانويان، ينبع كلٌ منهما من مرتكز أساسي.
فالوصف التصويري ينبع من مشهديته الدقيقة، إنغماس المتلقي دون وعي في كادر المشهد كأنه أحد أبطاله، وهو مرتكز – إن جاز لي أن أسمّيه – «مغناطيسية المشهد».
أما المرتكز الثانوي الثاني، النابع من التحليل، فهو دفقة وعي يسكبها الشاعر في ذهن المتلقي، ويدفعه دفعًا إلى التفكر والتساؤل والبحث عن إجابات، وهذا المرتكز الأخير سأتعرض له في الفقرة الختامية للدراسة.
البنية الوصفية والتحليلية
الوصف الدقيق بما يفي بمشهدية كاملة متكاملة؛ عين كاميرا فوتوغرافية تلتقط أدق التفاصيل، يمزجها الشاعر بمهارة مع المرتكز الثاني، مستعينًا بأدوات بسيطة مثل:
{ كإن – رغم إن – أوعى تفكر – لكن – … }
وهي أدوات تشبيه واستدراك، إلا أن شاعرنا بعبقريته الوجدانية أتى بها في مدلولها الشائع، وأضفى عليها ثوبًا جديدًا، فاستخدمها ببراعة لتحليل ما قبلها بإضافته لما بعدها، وواكب ذلك بدلالات وجدانية تُشبع وجدان المتلقي.
ورغم عاميتها القحّة، إلا أن اللغة مفهومة، يدرك المتلقي معانيها بيسر، لدقة المشهدية الشعرية، فتنفتح شهيته لالتهام المزيد.
تفكيك الدلالات
ع السكة تلاقيهم…
السكة: طريق أو شارع؛ دالة ظاهرها ثابت وباطنها متحرك، يحوي في فضائه كل المتخيل من أشخاص ومنازل.
المدلول هنا ببساطة: رحلة حياة وموت… بداية ونهاية وبينهما تدور عجلة الأيام.
شماريخ – جلاليب – عبي وبناطيل…
جميع فئات البشر على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم الفكرية.
الصورة في ظاهرها تجمعية، لكنها في باطنها تفكيكية تعتمد على المظهر (الزي) لتحديد الهوية وتعددها النوعي.
وقليل حين تلقى ف جوّاهم {ناس}…
إيحاء جلي بالفراغ القيمي.
و{ الناس } ياما…
كثرة تشع أسى وإحباطًا.
وصاحبنا عبد العال…
هنا تتغير نبرة الصوت من همّ وأسى إلى ما يشبه الفرح.
كما يجب ألا نهمل التنسيب للراوي:
{ هم } في مقابل { نا }، والمدلول أن الراوي والمتلقي – تقديرًا من الراوي – وعبد العال نوعية تختلف عن الباقين.
التضاد والتفاعل
كان ويّا { الناس } ف الكفر الضيق،
يعيش معهم رغم اختلافه الجوهري عنهم،
ووصف المكان بالضيق دالة على معاناة معيشية.
لكن جوّه ف قلبه الواسع
[ ناس ] …
رغم قلة الرزق، يمتلك قلبًا ودودًا رحيمًا، متفاعلًا مع الكل.
هنا يتحقق:
-
التضاد: { الضيق / الواسع – القلب / الكفر }
-
التفاعل: [ كان ويّا الناس ]
-
تعدد المستويات: من الشتات إلى المركز
{ السكة / الكفر – الناس / الفرد }
البنية الهرمية
نجد التفكيك متحققًا في الانتقال من:
الناس → عبد العال → الناس → قلبه → ناس
والإيحاء الكلي:
الناس رغم كثرتهم… قلة
وعبد العال وحده… أمة
القمة في الأقواس:
{ الناس } / { ناس }
أي عبقرية أبدعت هذا الجمال!
تعريف الطالح وتنـكير الصالح، إيحاءً بأن الفساد عمّ حتى صار هو المعرفة، وتوارى الصالحون.
المشهد الديالوغي
ياااه… كان يوم متغرب، عن كل الأيام
ينده خولي الأجريّه
عزت كامل – يسري أبو محمود – عيد المرسي – منصور الشبكي
ينتفض القلب وينشال من مَضَعُه
مشهد خاص بعمال الأنفار والترحيلة، لكنه تجربة إنسانية عامة.
نفس المشاعر عرفناها عند إعلان النتائج أو انتظار الأسماء.
البعد الرابع: الزمن
هنا أصل إلى ما أعنيه بالبعد الرابع في ثنائية فؤاد حجاج.
ليس لحظة آنية، بل عمرٌ كامل يتحرك ويتصاعد مع كل فقرة، حتى تبلغ الرحلة محطتها الأخيرة.
غربة وطن… قصيدة؟ أم ملحمة؟ أم مرثية الأحياء الأموات؟
المغادر ميت يتنفس غبارًا،
والعائد ميت بلا قبر.
ثلاث غربات:
-
غربة الكفر
-
غربة الوطن
-
الغربة الأشد: غربة العبودية والذل
الصور الشعرية والحركة
والساقية الدايرة… زي الزمن الماشي تلف
وزعيقها الفضحي…
استعاض بالساقية عن الجاموسة،
وشبّه الزمن بالدوران الأعمى.
واتحرك م العدليه القطر…
كأن القطر الماشي يجر ف ركبه…
بثّ الحياة في الجماد،
وجسّد صراع الفراق والعوز.
الخاتمة الجمالية
أربعة أبعاد تتحقق في هذه الثنائية:
-
النص المسطور
-
المشهدية
-
مخيلة القارئ
-
الزمن المتحرك
وكما قال بنيتو كروتشي:
«القيمة الحقيقية للعمل الأدبي تنبع من داخله، حيث ينطوي الجزء في معية الكل».
الختام
فؤاد حجاج شاعر الناس الغلابة،
شاعر رسالة،
كتب بوجدان الأمة،
وعاش غربته مع غربتهم.
ما أقساه أن تعيش غريبًا في وطنك
والأقسى أن يتغرب الوطن ذاته.
الأديب محمد البنا