أرض مقدسة ل د. ندى مأمون إبراهيم

«أخطأ في حساباته؟ أم أنه تعمّد اللقاء؟!»
وجدته أمامها بلا موعد، يقف بجرأة بطل لا هارب!
قد طالت لحيته، وخالط الشيبَ شعرُه، ولم تكن على استعداد للقاء هذا الرجل!

لماذا أتى بغتة؟
القلوب لها مواعيد، ولا تظنّ أنه احترمها يومًا.
ولها فواتير أيضًا؛ رصيد قلبها مكشوف، فكيف لها أن تسدّد ثمن ثمانية أعوام تائهة بينها وبينه في لحظة؟

تذكّرت يوم الشؤم؛ يوم أن أخبرها بقراره الانفرادي عن نيّته بالسفر طويلًا، في رحلة دراسية قد يصبح بعدها مهاجرًا.
المكوث في البلاد أوجعه، وتعب من لون الزنازين، فأراد أن يحظى لسانه برفاهية الكلام.
اختار الهجرة عن الوطن، ولم يصبر… وهجرة عن قلبها، ولم يرجع.
أوهمها بعدها أنه سيصبح قديسًا؛ فلا عيون نساء فاتنات بعدها.
سحب منديله ورشّ من عطرها عليه، وقال لها:

«لا يجوز لمهاجر أن يفتقد الحبيبة والوطن. وإن خُيّر بينهما، فإنه يختار عطرها.»

سألته يومها:
«أيكفيك العطر؟ وماذا عني؟»

لم يُجب. ولحماقتها لم تكرّر على مسامعه السؤال، واكتفت بابتسامته الساحرة وعينه الدامعة.
اعتبرت ذلك وعدًا كافيًا، وحبلًا موصولًا بين قلبها وقلبه.

كان حبًا أولًا، لم تُتْلُ عليه صلوات في معابد العاشقين، ولم تعتمده أهازيج القداسة.
وكان قلبها فتيًا قليل الخبرة بأمور القلوب، لم تطلب المواثيق، واكتفت بحضوره.
وعندما ابتعد، انزوت.

مارست في البعد نفس طقوسه؛ قداسة بقداسة.
وأصبحت راهبة تنتظر قديسًا هاربًا، تتمناه أن ينقلب على شريعته، وأن يحرق المعبد.
تكتب كل يوم رسالة، تطويها مع زهر ريحان، وترشّها بعطرها الذي سافر مع منديله.
علمت أن رائحة العطور لا تبقى على المناديل طويلًا؛ تزول كما يزول الحب أحيانًا.
والغريب أن حبّها لم يزل، بل بقي كما هو، يزاول كل أعمال الشغف ولوعة الانتظار.

ثماني سنوات كانت فيها حجرات القلب موصدة لدواعٍ سرّية،
ممنوعٌ إشغالها بأمرٍ منها،
والمفاتيح ملقاة في جيب ذلك المهاجر.

واليوم جاء عائدًا من مهجره، أو زائرًا.
لم ترَ في يديه حقائب، لكنها رأت أعواد الريحان تلفّ معصمه، ومفتاح الحب في عينيه.
القديس لم يكذب؛ هاجر جسدًا لكن روحه لم تهاجر.
لسانه الفصيح أوصله إلى شاشات تلفزة عديدة، ذكر فيها كل شيء إلا الوطن.
مدّ لها مغلّفات عدّة تفوح منها رائحة عطرها، وأخبرها أنه كان يكتبها كل يوم ويحتفظ بها،
وما زالت كما هي: أول النساء وآخرهن في قلبه.

صمته الطويل كان حيرة لا أكثر.
كان يعلم عشقها وارتباطها بالأرض؛ انتماؤها المخيف كان يحيره، يغار منه ومن الوطن!
أحبّ فيها كل شيء إلا ثورتها.
خاف أن يتلو على مسامعها عرض الاختيار، فهاجر.

واليوم جاء يباغتها، يحاصرها بابتسامته التي تعني عودة المواثيق.
سألها:

«أيكفيكِ الوطن؟ فماذا عني؟!»

تأمّلت عروق الريحان في معصمه، وأجابته بين دقّة قلب ودمع:

«لا رفاهية في الاختيار. أريدكما معًا: أنت والوطن. فهل تقبل؟»

ساد الصمت حينها وطال النظر.
فاح العطر من المنديل مجدّدًا.

مالت برأسها تراقب ظل القديس يفارق المكان.

«لماذا أتى؟!!»

لا إجابة.

 د. ندى مأمون إبراهيم 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *