أهمية الشعر تكمن في المتعة التي يحدثها في المتلقي، في نشوته أثناء القراءة وبعدها، في الهيام بالصورة التي يراها، في الرؤية المستقبلية التي يطرحها، مما يجعله شعرا متقدما على الزمن الذي كتب فيه.
رغم ما نمر به من انتكاسات وتخاذل، وانعكاس ذلك على مشاعرنا وتذوقنا للأدب، وحتى عزوفنا عن القراءة، يأتي “عمر أبو الهيجاء” ليقدمنا من طبيعتنا لنستعيد شيء من التوازن، وهذا يؤكد أن الشعر/ الأدب يعد أحد وسائل الراحة/الهدوء التي نلجأ إليها وقت الضيق/ الشدة.

رسالة الشاعر
ما يحسب لديوان “شجر اصطفاه الطير” أنه يحاكي ما نمر به الآن ـ أثناء معركة طوفان الأقصى ـ فقد جاء الديوان بصيغة أنا المتكلم/ أنا الشاعر، فحضور الأنا الموجوعة/ المتأملة جعل القارئ يشعر وكأنه هو من يتحدث/ يتكلم، يقول الشاعر في قصيدة الافتتاح: “ما تدكس من حبر الروح”:
“من غير ورد أدخل مرايا الناس
أصعد صباحات في خدر الغبار
لا شيء يمر في البال غير وهج السؤال
أين يأخذني دم اللحظات
وأنا أعد الشرفات في بهو روحي
عارية مراياي
وسمائي قاحلة
لا مطر يذيب ثلج الغياب
وأوجه الناس مأخذوة بالظلام
أبن الحياة أنا /
أبصر سحر منامي في سرائر التعب
أشم الألوان من مهب الموت
لم أزل رهن العزلة
وعناصر دمي المضاء
من غير ورد أسن حد الليل حين يغط النجوم بالنوم”
ص9 و10.
نلاحظ ألم الشاعر ناتج عن تعلقه بالآخرين، بهموم الناس، وهذا يقودنا إلى انتمائه وتوحده معهم، فهو جزء منهم، وهذا يشير إلى نبل/ نبوة الشاعر الذي يحمل هموم شعبه/ أمته التي يريد تخليصها من بؤسها، من واقعها، ويقدمها من الفرح/ السعادة/ التحرر/ النصر.
وما استخدامه: “مرايا الناس/ عارية مراياي، وأوجه الناس” إلا تأكيدا للانتماء والتماهي مع قضايا الشعب/ الأمة.
وبما أن الشاعر نبي/ صاحب رسالة، فلا بد له من معجزة يقنعنا برسالته… فنجد هذه المعجزة في:
“أشم الألوان من مهب الموت
وعناصر دمي المضاء”
فالشاعر يقدم معجزته من خلال قلب الحواس؛ فهو يشم الألوان، ويرى ويرينا عناصر دمه المثقلة بالألم والوجع.
هو يريد استنهاضنا لنتقدم من الفعل/ العمل.
من هنا ابتعد عن تناول الهموم العامة، وتحدث عن همومه هو، ليحركنا من خلال وجعه.
ونلاحظ حالة الألم في الألفاظ:
“خدر، الغبار، دم/ دمي، عارية، قاحلة، الغياب، بالظلام، التعب، الموت، العزلة، أسن”
مما يجعل القارئ يشعر وكأنه هو الكاتب.
كما نلاحظ استخدام التغريب عبر قلب مفاهيم الطبيعة:
فالسماء هي القاحلة وليست الأرض، وكأن الشاعر يريد إعادة النظر في علاقتنا بالسماء/ الدين الذي استُخدم خرابًا وتخديرًا على يد الجماعات التي أفسدت باسم المقدّس.
تخاذل الأنظمة الرسمية
تخاذل الأنظمة كان وما زال يؤذي المواطن العربي.
يقول الشاعر:
“لا يملأ كأس الروح
غير ازدحام الخسارات
وكذب الأخوة
في الموت المؤجل
خذوا القصيدة مني
ودعوا الحروف قلادة فوق معصم الليل..
أقسم كل نار تمر من خلالي تشبهني
…
كل حبر تشكل بين أصابع اللغة اعتلاني
وهذي البلاد بلادي”
ص14 و15.
يتجلى ألم الشاعر في “ازدحام الخسارات” و”كذب الأخوة”.
ومن هنا دعوته المباشرة لنا: “خذوا القصيدة… ودعوا الحروف…”
القصيدة عنده أداة تحريض، أداة خلاص.
الأنوثة كقيمة ورسالة
ويستوقفنا استخدامه لصيغة المؤنث: القصيدة، والمذكر: الحروف.
ومع ذلك نجد في الحروف أنوثة: “الحروف قلادة”.
الشاعر يتماهى مع الأنثى:
“كل نار تشبهني، كل حبر بين أصابع اللغة اعتلاني”
وهو بذلك يخاطب الجميع: رجالًا ونساءً… شرط نجاح الرسالة أن يحملها الجميع.
خاتمة الرسالة
يقول:
“أتبعني الغناء/
لم يبق مني غير سلة الأحلام
ليرى العالم نثاري
سأفتح للضوء انزياح القصيدة
ليشم
حرقة
المعاني
أتبعني الغناء/
انكسرت النغمات على سلم الهوى
وانبرت الأصابع نحو وتر البكاء
أتعبني
أتبعني
كثيرا
هذا
الغناء”
ص18 و19.
تكرار “أتعبني” أربع مرات يوحي بالإنهاك… لكنه إنهاك الأنبياء والشعراء الذين يعطون وهم يتألمون.
التعب هنا انتقال للرسالة:
هو تعب ليكمل نحن.
القصيدة التي سبقت زمانها
قصيدة “حروف معناي” تبدو وكأنها كتبت اليوم… أثناء مجازر غزة:
“في الزحام
الصوت ضاع
لم أنتبه لغموض الشارع
لم أصغ ليدي وهي تمر فوق المكان
أنا الموزع في الدخان
حقائب الموت
تفصح، لا ثمة متسع للرحيل
في الزحام
وجوه يؤثثها الخراب
ثمة موت غائب
أجساد مرثية تمشي خلف حروب خاسرة
وجوه شربت من آنية اللغة
سطرا
سطرا
وخبأت الثلوج في جمر الطوابين
وانتهت في همهمة الرياح”
ص81 و82.
الزحام/ النزوح/ الخراب… الموت الذي يتكرر… المشاهد مطابقة لواقع غزة.
لكن الشاعر يخفف عن القارئ عبر الصورة الشعرية:
“وجوه يؤثثها الخراب” / “خبأت الثلوج في جمر الطوابين”
جمع الثلج بالنار يخلق دهشة تفتح باب التأمل.
الوطن
الشاعر يكرر: الوطن / بلادي
ويوضح ارتباطه بلغته:
“كل حبر تشكل بين أصابع اللغة اعتلاني
وهذي البلاد بلادي”
ويقول:
“سوف أرصد خارطة السفوح
وأبدأ الصلاة
وعلى شاخصة في دمي
سوف أرسم الوطن
من يحتمل في غيبة الدار الكفن”
ص37.
يمزج بين المادي والروحي في رحلة العودة.
وفي مقطع آخر:
“أعناق أرضا
فكوني ملاذي
أعناق جسما
فكوني حصادي
وكوني احتمال الجسد ووني فضاء
وعزفا ويد وكي احتملك كثيرا
أعيدي الدم العربي…
وصدر الوطن.. أعيد ضلوعي
وهذا الزمن..
وشحنة قلبي
وأرض الأمان”
ص40 و41.
المرأة هنا قوة دفع… ذراع وصول… سُلَّم العودة.
المكان
المكان ركن أساسي…
يقول:
“جنين/
كلما شح الضوء
أعطيناك قبسا من سلالم الدم
لتزلزل كهوف الرماد”
ص64.
لفظ “شح” الضعيف شكلاً وصوتًا؛ وسلالمُ الدم الثقيلة؛ و”ليزلزل” المليئة باللزمات…
الصورة مكتملة.
الفكرة والألفاظ
يقول:
“تمحوني أصابع الليل
لا بدن لصلصال الورد
ولا رائحة الحرف تسري في ملكوت الصحائف”
ص84.
الصلصال بحروفه الملتفّة يبدو كأصابع تمحو.
انطفاء البدن والرائحة يعني انطفاء الشعر.
الديوان من منشورات وزارة الثقافة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2022.
الكاتب والناقد رائد الحواري