يمر العالم العربي بسابقة لم تعهد مثلها صفحات التاريخ، حيث إنه المسؤول المباشر وغير المباشر عن تسطير خطوطها النكراء السوداء.
العالم العربي يتعثر بفترة انتكاسة قاسية على كل من يحمل ذوقاً جميلاً في شعوره، لحظة يجر وراءه أذيال خيبة مرة، فالكل يعيش في حيرة وقلق قاتل، عالم يستنشق الغدر، يركع له، ويستغفر الله يصلي به. المكيدة عنوان محرابه، ومن بعيد تشم منه رايحة الفتنة والخذلان والضغينة، عالم يؤيد الظلم والجور ويبغيهما سلوكاً ورذيلة، والغريب أن الأمر ليس ضد عدو مشترك، بل بين بعضه البعض.
يغار من العدالة، ويأبى التضحية، يصفق للقهر، يغوص في ظلام الجهل، والقتل عند مفخرة، يبتغي الجور ويرفض الضمير، ويسعى للسيطرة، لا يستحيي من الفجور، والحق عنده مُعضلة، يعيش هزيمة هو صانع خنجرها.
وفي هذا السياق نظم الشاعر التونسي الرائع مازن الشريف قصيدة هندس حروفها بكبرياء عاشق صوفي جريح، وإليكم قراءة ماتعة:
يا أبي حُزنٌ ببـَوحِ الحُـنْجُـرَةْ
وَجَـعٌ بـِهَذَا الصَّدْرِ يُغـْمِدُ خنْجَرَهْ
هِيَ حيرةٌ مثلَ الهَزِيمَةِ
مُرّةٌ ما لِلْعُرُوبَةِ كَالـحُطـَامِ مُبعـْثَرَةْأَنَّى نَظَرْتُ رَأَيتُ مَوتًا
صَارِخًا لـكَأنَّمَا وَطنُ العُـرُوبةِ مَـقـبـَرَةْ
في القُدْسِ ما في القُدْسِ أو في غزّةٍ قَد
عـاثَ صُهْيُونٌ وأَرْسَلَ عَسْكَرَهْبـغْدَادُ أو فـي الـشّـامِ جُـرحٌ واحدٌ
مَنْ فَخَّخَ الـوَطَنَ الْجَميلَ وفجّرهْ
والشعبُ بين الـرُّعْبِ أضحى دَمْعَةً مُذ
أَظْـهَر الإرْهـابُ فينَا مَظْهرهْوالدِّينُ دِينُ اللهِ إلا أنَّهُ لَمْ يَرْضَ شيخُ الإِفْكِ حتى زوّرهْ
والـكَاذِبـونَ الـعَابثـون أوغرُوا صَدْرَ الـغَبِي بالشَّعْبِ حتى كفّرهْإعلامُ بعض الـعرب أضحى فِتنة، أصوات بعض العُرْب أمست ثَرْثَرةْ
وترى الذي قد باعَ غدراً ضَاحِكًا
ويَراهُ أمراً داعياً للمفخرةْهَلْ ثَورَةُ الأَحـرَار (دمّر مَوْطِـنََا) شَتّانَ من يَـبْــنِـيه أو من دمّرهْ
فِي كُلِّ شِـبـر من ثَـرانا
لَـوعَـةٌ في كُـلِّ رُكـنٍ مِـن مَدانَـا مجزرةْفِي مَـطمَـعٍ للغَـرْب صـرنا لُقمةً
فِي نـظرة للـغرب صـرنـا مَسْخَرةْ
قُل يا أبي هَلْ ضاع حَقًّا حُلُمنا؟
ما عاد فـينا خَالِـدٌ أو عَنـتَرةْوهل الْـعُـروبـةُ لم تَعُـد إلا أسى فِي قلبِ مَن عشق الثَّرى؟ ما أكبرهْ
يا وَلَدِي، هذَا الـمدى مـا أضيقهْ
أنّى نَظَـرتَ رأيـتَ نَارَ الـمـحرقةْ
مـاذا يَقـول الْـحرْفُ في خطّ المدى؟ وَطَـنٌ تَـدَلّى
مِـن حِـبالِ الـمِـشنَـقة
إن مَرَّ عُـصْفُـور يُغَنّي
مُـغْـرمًا كَسَرُوا جَـنَاحَيهِ أمَاتُوا الـــزَّقْزَقَةْ
هـلْ نَحـن شَـعْـبٌ واحِـدٌ مـهْـمـا بدا؟
فِينَا اخـتِلافٌ في الأمـُورِ المُسبَقَةْ
قـد فـكَّكُونا كالـطّـوائفِ وانبرى
كُـلٌّ يَـشُـدُّ الـكُلَّ حـتّى يـخْنُقَهْ
فَـانـظُـر شَـتَاتا في شَتاتٍ، كيف لا إذ كُـلُّ شَــيءٍ صارَ تحت الـمطْـرقةْ
أمْجَـادُنـا في الدَّهْـرِ صارت نُكتَةً
مِـنْ خَـجَلٍ للأرض تـرنُـو مُـطرِقةْ
آهٍ بُـنَيَّ الـيَـومَ كم مـن طَـعْنــَةٍ فـي الصّدر تأتي من أخٍ مـا أحْمَقَهْ
لكنَّـنا واللّيـلُ يَجْـري
خَـلْــفَـنا، والـفَـجْـرُ حَـثّ الخَطْوَ حَتّى يسبِقَهْ
مــازَالَ فِـينَـا مَـوطِــنٌ كي نحـتمي بـــالـحُبِّ
إنّ الـــــحُـبّ مثـل الــزَّنبقَةْ
وغدًا تـرَى الأوطانُ ضوءً سـاطِعًا، وبرغم حِـقدِ اللّيل شَـمسًا مُشرِقةْ
إن أغْلَقُـــوا دربًا فأيـقِـن أنّـنا كَــم قَـد عَــبَـرْنـا مِـن دُروب مُـغْـلَقةْ
يا والِدي، أيقـنـتُ منك الـمـعْذرة، إني سأسقي الْـحُلْم دمْـعَ الْمِحبَرَةْ
جُـرْحي عَــمِيـقٌ، غير أنّـي مُـؤمِـنٌ وغـدًا يكونُ الجُرحُ تحتَ السّيْطرَةْ
هذه لوحة قاتمة صاغها شاعر جُرحت كبرياؤه، رسمها بخلجات فؤاده، هَندس قافيتها بحروف خضراء، اشتق أشواقها من شواطئ مدينة سوسة التونسية الرائعة.
شاعر متيم بعروبته، شاعر اغمد العالم العربي، باوضاعه المُقززة خنجره المسموم في كينونته، وفي صدر كل غيور عربي على مجد وتاريخ أمته.
تحية تقدير للشاعر مازن الشريف.
الكاتب عبدالسلام اضريف