بينما تقدم لنا كتب التاريخ هيكل الأحداث وجفاف الوقائع، يأبى الأدب إلا أن ينقل لنا نبض الحياة . إنه الذاكرة العاطفية للبشرية التي تحفظ ما لا تسجله الوثائق.
كيف لنا أن نعيش روح الصحراء في الجاهلية دون شعر امرئ القيس وعنترة؟ إنهما لا يقدمان لنا وقائع المعارك بقدر ما ينقلان إلينا رائحة المطر، ولوعة الفراق، وصرخة الإنسان في مواجهة القدر.
وفي العباسي، تصور لنا مقامات الحريري حياة الأسواق والطبقات المهمشة بدقة تشبه عدسة كاميرا ، بينما يكشف أبو نواس عن وجه بغداد الآخر: المدينة التي تعاقر الخمر وتتحدى التقاليد.
أما أدب الرحلات كابن بطوطة وابن جبير، فيكشف لنا عن ذاكرة الأماكن الموازية. فالمدن لا تحكي تاريخها من خلال حجارة مبانيها فقط، بل من خلال ظلال الناس الذين عاشوا فيها، وأصوات الباعة، وروائح الأسواق.
وفي العصر الحديث، تقدم لنا روايات نجيب محفوظ وشعر الجواهري تاريخًا من . تاريخ الشارع العادي، والإنسان البسيط، والتفاصيل اليومية التي تصنع روح العصر.
هنا تكمن المفارقة العميقة: فالأدب يوثق اللحظة العابرة ليجعلها أبدية، ويسجل المحلي ليعبر عن الكوني، ويكتبه فرد ليحكي قصة الجميع. إنه التاريخ الذي لا يكتفي بسرد ماذا حدث، بل يخبرنا كيف كان الشعور حين حدث.
الكاتب ماجد القيسي