بداية، أشير إلى أننا أمام كتاب فريد من نوعه، فنجد فيه لمحة عن مجموعة من الأسرى ومعاناتهم، ونجد فيه إنجازاتهم الأدبية، وأفكارهم التحررية، وشيئًا من سيرتهم الذاتية وتطلعاتهم المستقبلية، كما نجد فيه نقدًا لأعمالهم الأدبية، بمعنى أننا أمام كتاب يشمل نواحي عديدة لإبداع الأسرى الأدباء/ الكتاب.
أهمية كتاب “احتمالات بيضاء” للمحامي الحيفاوي حسن عبادي تكمن في كونه يشكل ضوءًا في زمن العتمة، حركة في زمن الشلل، فعلاً في زمن السكون، حياة في وقت الموت، فالكتاب يمدنا بما نحتاج إليه الآن؛ الطاقة التي تساعدنا على الفعل/ على الحركة، فإذا كان الأسير الذي يخضع لكل ما هو قاسٍ وموجع يتألق ويبدع، فما بالنا نحن (الأحرار) عاجزين عن الفعل؟

يعبر “حسن عبادي” عن هذه الحاجة من خلال حديثه مع “ثائر حنيني“:
“أنت غير مدين لأحد بشيء لتشكره، دفعت وما زلت تدفع دينك وثمن نضالك منذ عام 2002، نحن المدينون لك ولزملائك في الأسر، واجبنا أن نشكركم على منحنا فرصة للعطاء من أجلكم” ص 71، إذن الكتاب ووجوده ما هو إلا ثمرة من ثمار الأسرى، وما كان ليكون حاضرًا بيننا دون الأسرى الذين منحوا “حسن عبادي” الطاقة، القدرة على الفعل لإنتاج “احتمالات بيضاء”.
وهناك دعوة (مباشرة) من الأسير الشهيد “كمال أبو وعر” تدعونا إلى التوقف عند الأسرى وما هم فيه:
“إن أقسى أنواع الموت هو هذا الموت الذي لا صوت له، لا أحد يسمعه، يظل مدفونًا خلف الجدران، يندثر في الصدى والنسيان، فلا تكونوا أيها الناس مشاركين في هذا الصمت، حنجرتي مخنوقة ولكن الموت يتكلم، من يصغي ويحرك أوتار حنجرتي ويسمعني الآن، أكتب بحبرك عني وعبّر… فزنزانتي خرساء صامتة كالقبر، اكتب ولا تخف فأنت حر… أما أنا فأسير أتجرع المر!” ص 102 و106.
إذن نحن أمام واجب وطني، واجب إنساني يدفعنا لنكون مع أسرانا ولا نتجاهلهم/ ننساهم، وعلينا إبقاؤهم حاضرين فينا، وفي أحاديثنا، هذا ما طلبه منا “كمال أبو وعر”.
ما يحسب للفلسطيني قدرته على تجاوز واقعه والتقدم إلى الأمام، فرغم وجود أشرس وأقذر احتلال عرفته البشرية، إلا أنه ما زال يقدم ما هو جديد، متجاوزًا واقعه كشعب يعيش تحت الاحتلال، ويقدم ما يفيد الإنسانية، ويرفع مكانتها الأخلاقية والأدبية، فالأسير المحكوم بعدة مؤبدات، يفترض أن ينزوي ويقنط من الحياة، ويكفر بالإنسانية التي تدعي شيئًا وتفعل نقيضه، لكنه يتجاهل واقع الأسر والممارسات الفاشية القمعية، ويتقدم ليكتب أدبًا عالميًا، متعلّقًا بفكرة إنسانية، تدعو إلى التمسك بالحياة حتى آخر رمق، ويعطي ما هو جميل ويقدمه للآخرين أينما كانوا، حتى آخر لحظة من العمر، هذا حال الأسير الفلسطيني.
إذن نحن أمام ظاهرة إبداعية إنسانية تتمثل في كتابة الأدب، أدب يكتبه أشخاص يصنّفون على أنهم (قتلة/ مجرمون/ إرهابيون/ مخربون) حسب ادعاء دولة الاحتلال ومن يقف معها، فهؤلاء المظلومون من أشقائهم وإخوتهم، يؤكدون أنهم غير ذلك، هم يمثلون شعبًا وقع تحت أشرس احتلال، ويحاولون بإمكانياتهم المحدودة مواجهة الدولة التي تمتلك أفضل جيش في العالم، وأكبر آلة إعلامية، وأدق جهاز تجسس/ مخابرات، وسطوة مالية تتحكم في من يتخذ القرارات في الدول العظمى.
تجاوز موازين القوة والقدرات والإمكانيات، يشير إلى أننا أمام شعب غير عادي، شعب يمتلك جبابرة عظماء ينسلون من الأرض، شعب يتماثل مع بذرة الأرض التي تريد أن تكون شجرة سامقة، ولا تريد أن تتقاذفها الريح أينما تريد، أو تكون طعامًا للطيور أو القوارض. هذا ما يفعله الكتاب والأدباء الأسرى في سجون الاحتلال، فهم يقدمون أفكارًا نبيلة، أخلاقية، إنسانية، تدعو إلى رفض الظلم ومواجهة الظالم مهما كان حجمه ومهما بغلت قدراته، ويقدمون هذه الأفكار بلغة أدبية متألقة، تمتع المتلقي وتجعله يتقدم بشغف لينهل مما يقدم له.
الجلاد: الاحتلال يمارس ساديته على الأسير الفلسطيني بأكثر من طريقة/ شكل/ وسيلة، من هذه الممارسات الوحشية:
“أسرانا يستحقون الحياة رغم محاولة السجان المستميتة لسحقها، ويمامة أبو عرب أخذتني لصورة وصلتني من خلف القضبان لصديق يربي عصفورًا ويحرص عليه وأخبرني أن السجان سيحاكمه إذا اكتشفه” ص 23.
هذه الصورة وحدها كافية لإيصال حجم الوحشية التي يمارسها المحتل على الأسرى، فحتى العناية بطائر ممنوعة/ محظورة، ويعد ذلك جريمة يعاقب عليها الأسير!
الأسرى يُحرمون/ يُمنعون من استخدام أدوات عادية يستخدمها كل الناس، من هذه الممنوعات:
“وحين التقيت بكريم يونس في الأسبوع الفائت باغتني وإذ المفتاح في جيبه، استعمله للمرة الأولى بعد أربعين عامًا ولا يريد مفارقته” ص 238 و239.
هذا المشهد يشير إلى حجم الوحشية التي يتعامل بها الاحتلال مع الأسرى، الذين يُحرمون من استخدام أي مفتاح، مما يجعلهم مقيدين في الفكر والجسم، فالاحتلال يستخدم طرقًا خبيثة لتحطيم الأسير وجعله يخضع لواقعه في الأسر.
كما نجد وحشية المحتل الذي يحكم على إنسان أربعين سنة في سجن يفتقد لأدنى شروط حقوق الأسرى، مما جعل جريمته متعددة الأوجه: سجن لأشخاص يمارسون حقهم الطبيعي في المقاومة، مدة السجن طويلة تتجاوز نصف عمر الإنسان، واستخدام أساليب عديدة لإلحاق الأذى النفسي والجسدي بالأسرى.
من مشاهد وحشية الجلاد ما جاء في رواية “الغرفة الزهراء” للروائي وليد الهودلي:
“جاءوا برجل من قادة الحركة الأسيرة وهو عار تمامًا، يداه مكبلتان للخلف ومكبل القدمين، يجرونه بسلسلة تطبق على رقبته… ثم أحضروا كلبًا وأفلتوه عليه. تهديد الأسرى بالاغتصاب… إجبار الأسرى على ضرب زملائهم” ص 225.
كل هذا يؤكد أن العدو يمارس بربرية القرون الخالية، وما هو إلا أكبر شر في الوجود، وأقذر احتلال عرفته البشرية.
ظهرت وحشية الاحتلال وبانت للعالم أجمع بعد السابع من تشرين أول، حيث أقام معسكر “سدي تيمان” لاعتقال الفلسطينيين الذين عُوملوا على أنهم (حيوانات بشرية):
“الأيدي مقيدة، كذلك الأرجل، العيون مغطاة، يمنع الحركة، يمنع الكلام، هكذا تمر كل ساعات اليقظة، يومًا بعد يوم، أسبوعًا بعد أسبوع، ومن حين لآخر ضرب مبرح… بأن المعالجين يتغذون بالمصاصة ويقضون حاجاتهم في الحفاظات ويتم تكبيلهم 24 ساعة في اليوم، وهذه ظروف أدت في عدد من الحالات إلى بتر الأطراف” ص 139 و140.
هذا ما جاء في كتاب معتقل سدي تيمان الإسرائيلي للباحث علي عبد الله أبو هلال، وهذا ما يجعل كتابات الأسرى، والكتابة عنهم مهمة وضرورية ليس للفلسطينيين فحسب، بل لكل أحرار العالم الذين يرفضون التعامل مع الأسرى، فهم يعاملون بعين تعامل الفاشيين مع أسراهم.
الأنظمة القمعية تضع الأسرى أمام كم هائل من الممنوعات، منها القلم/ الورقة، الكتب، فهي لا تريد للأفكار الأخرى الظهور، وتريد فكرها فقط أن يسود، لهذا نجد الأحرار في كل زمان ومكان يعارضون فكرة الممنوع/ المحظور:
“فالتعددية ضرورة ملحة كل وقت، قاتل الله الرقيب، مهما كانت نواياه ومهما كانت هويته” ص 39.
فالتعميم الذي شمل كل من يمارس الرقابة يشير إلى أن السلوك القمعي مؤذي ومضر لكل مبدع وإبداع، بصرف النظر عن الجهة/ الزمن/ المكان الذي تُحدث فيه الرقابة.
الأسرى في المقابل: نجد الأسرى لا يستسلمون للسجان، ولا لواقعهم البائس، من هنا نجدهم يقاومون بأشكال وأدوات متواضعة لكنها موجعة للعدو:
“راق لي وصف أبو عرب لسلاح الابتسامة حين قال: “وأنا ما زلت معلقًا بين روحي وابتسامتي، حتى الابتسامة تكون سلاحًا وغيظًا… فوجئت بصورة المعتقلات والمعتقلين، محاطين بجنود الاحتلال، كلّ وابتسامته، جاءتني ضحكة كميل وابتسامات كل من التقيته من الأسرى، ابتسامة قاتلة للمحتل وتبث حرية قادمة لا محالة” ص 24.
الابتسامة فعل بسيط لكنه عميق، لهذا يوجع العدو الذي يريد سحق الأسير وتحطيمه، فمجرد ابتسامة تفشل كل إجراءاته وأفعاله وأعماله، وتجعله منكسرا، وهذا مؤشر على أن خلف صورة الدولة الكبيرة والقوية، ما هو إلا هواء هشيم، فالدولة كرتونية، يمكن لأي عاصفة سحبها وتحطيمها.
ونجد الأسرى مثقفين، متعلمين، ينهلون من ثقافات العالم لتساعدهم على مواجهة عدوهم: يسترد “أحمد سعدات” في كتابه “صدى القيد” بقول ليوليوس فوتشيك صاحب كتاب “تحت أعواد المشانق”:
“أية رجولة تلك التي تنهار أمام حزمة من العصي” ص27.
من خلال هذا الاقتباس يشير “سعدات” ـ بطريقة غير مباشرة ـ إلى تماثل حال الأسير الفلسطيني مع حال أسرى الحلفاء في سجون النازية، ويعطي صورة عن وحشية السجان وطرقه البربرية في التعامل مع الأسرى.
الكتابة: نحن أمام أكثر من حالة إبداعية، أفكار/ مضمون، أدب، أفراد، وسنبدأ من فعل الكتابة، لأنها فعل إنساني يريح النفس، ويخرجها من بؤس الواقع إلى الحياة، فالأسير المحكوم بعشرات السنوات وحتى المئات، يتقدم إلى الأمام متجاوزًا بؤسه من خلال الكتابة، يقول المحامي “حسن عبادي”:
“تبين لي أن الكتابة خلف القضبان متنفس للأسير، تجعله يحلق ليعانق شمس الحرية” ص 14.
وتقول الروائية حنان باكير:
“من عتمة الزنازين يرسمون الوطن قوس قزح” ص 14.
هذا التحول من السواد إلى البياض هو إبداع الأسير الفلسطيني، فهو يحول القيد إلى حرية، الموت إلى حياة، البؤس إلى فرح، فهل يمكن لمن يقوم بهذا الفعل أن يكون مجرمًا، قاتلًا، إرهابيًا، مخربًا؟
هناك حقيقة تتمثل في أن الأدب/ الأديب يبقى حاضرًا أكثر من البيان السياسي، يؤكد الأسير “ناصر أبو سرور” هذه الحقيقة بقوله:
“الأديب يعيش أكثر من السياسي، فالأدب يعمر أكثر وتحفظه الأجيال وتتناقله بينما السياسة تموت” ص 19.
فمن يستنتج هذه الأفكار بالتأكيد هو مفكر/ مبدع، وعندما يمارس فعل الكتابة يكون شخصًا منسجمًا مع ذاته، منسجمًا بين القول والفعل، وبهذا يتجاوز كونه منظّرًا إلى كونه نبيًا.
يؤكد الأسير الروائي والشاعر “باسم خندقجي” دور الكتابة في تنمية العلاقات الاجتماعية، من خلال ما قاله لـ “حسن عبادي” الذي زاره كونه أديبًا:
“أشعر أن اليوم عيد ميلادي لأنني سجين منذ خمسة عشر عامًا وللمرة الأولى يزورني “غريب” بسبب كتاباتي، أشعر حقًا أنني اليوم أصبحت كاتبًا” ص57.
أما الأسير “رائد شافعي” فيرى أن:
“الكتابة تشكل مضادًا للوهم واليأس وحارسًا أمينًا على ذكرياته، الورقة في الأسر هي ذاكرة حية” ص 110.
وعن أهمية الكتابة كأداة ووسيلة تحمل روح الأمة/ الشعب وتمثل تطلعاتها، ينقل “حسن عبادي” ما قاله “سامر محروم”:
“كل الأمم التي كانت محتلة سطرت مقاومتها في روايات الأدباء” ص 121.
من هنا نجد المقاومة الوطنية الفرنسية حاضرة في رواية “الأمل” التي كتبها أندري مالو، والمقاومة الإيطالية مجدها في رواية “الرجال والبنادق” لإيليو فيتورني، والمقاومة الفلسطينية في رواية “بيروت بيروت” لرشاد أبو شاور، فالروايات من أهم وسائل حفظ الذاكرة من الفقدان/ الضياع، خاصة عندما يكون الحدث جللًا وقاسيًا، متعلقًا بمصير الشعب/ الأمة، ومصير الوطن بكل ما فيه.
أما الأسير الشهيد “وليد دقة” فإنه يكتب من أجل أن يتحرر من السجن على أمل أن يحرر السجن منه، هذا نجده في روايته “سر الزيت” حيث استطاع “وليد” أن يتحرر من الأسر، ويقدم رواية (مجنونة) تتجاوز الواقع/ واقع الأسر والسجن، وتتناول أحداثًا تحتاج إلى خيال/ فضاء بحجم الكون.
الأسيرة “إسراء جعابيص” ترى في الكتابة أكثر من فضيلة:
“نهرب من الواقع الضجر إلى واقع الأحلام لنبني ونؤسس جنة الصمود” ص 233.
فالكتابة تخلص/ تحرر الكاتبة من عذابات السجن، والواقع القاسي، وتمنحها الفرح/ التمتع بفضاء الحرية الرحب.
بعد أن خرجت رواية “الخرزة” إلى الحياة وأصبحت حاضرة بين القراء، يرى الأسير الروائي “منذر خلف” الكتابة:
“لم يعد السجن يتسع لي، ولم يعد بمقدوره احتجازي… بأني الآن حر” ص 278.
هذه هي الكتابة وما تعنيه للأسير الكاتب، فهل نحن (أحرار) نعرف هذه القيمة/ المعنى للكتابة؟
يتحدث “حسن عبادي” عن الشاعر الأسير “قتيبة مسلم” وعن إشهار ديوانه “حروف من ذهب” في “تلفيت” متناولًا أهمية الكتابة بالنسبة للأسير وما تحمله من معنى بقوله:
“أنا هنا معكم وبينكم رغم القضبان ورغم أنف السجان، وها هو بكتابه يتنفس هواء الحرية مع أهله وفي بلده مبتسمًا ابتسامة منتفضة، منتشية، رامية عرض الحائط تلك القيود ليحقق حلم الحرية القادمة لا محالة” ص 161.
وهذا ما يجعل الكتابة وسيلة لمحاربة العدو، وأداة لتنمية الذات، فنجد الأسير ينتشي بإنجازه الكتابي، وأيضًا يعطي الآخرين صورة عن ضرورة المواجهة وعدم اليأس، وما تمسكه بالخلاص من الأسر “الحرية قادمة لا محالة” إلا تأكيدًا لإيمانه العميق بأن المستقبل سيكون لنا وليس لعدونا.
نقد الواقع الفلسطيني والعربي:
ما يحسب للأدب الفلسطيني توقفه منذ بدايات الثورة عند أفعال/ أشخاص/ أعمال تضر بالثورة، وهنا نذكّر برواية “البكاء على صدر الحبيب” لرشاد أبو شاور التي أنجزت عام 1973، متناولة فساد بيروقراطية المكاتب.
استمر الأدب الفلسطيني محافظًا على هذا النهج التطهيري لتكون الثورة والشعب بخير، في كتاب “حسن اللاوعي” لإسماعيل رمضان” ينتقد واقع السلطة الفلسطينية التي أقدمت على فعل خطير حيث قلبت معادلة الصراع لصالح العدو:
“أنها استبدلت الدولة بالوطن، فلدينا دولة ولا يوجد لدينا وطن أو أرض” ص 43.
هذا النقد يفند دور الرقيب، ويكشف حقيقة يتجاهلها العديد ممن يسمون أنفسهم قادة، فنحن فعلا نفتقد للوطن، فالأرض يستولي عليها الاحتلال ويقضمها يوميًا، بحيث لم يبق لنا أرض، وأصبحت مدننا مخيمات من العمارات، كما أننا أصبحنا نتلقى التعليمات/ الأوامر من الاحتلال، فحتى (الدولة) هي دولة وهمية، دولة تابعة خاضعة للاحتلال.
يتوقف “حسن عبادي” عند رواية “بين بابين” للروائي اليمني “بدر أحمد علي” وينقل لنا شيئًا من تأثره بالرواية:
“فليس للعرب عدو أشد ضراوة من أنفسهم، وتناول الثورة الفلسطينية والمجازر التي أُرتكبت بحقها في لبنان وتواطؤ “القيادات” والمساءلة وتقرير لجنة التحقيق: “أكدت وجود خيانة في قيادة المعسكر، أفضت إلى تجمع المقاتلين وتقديمهم على طبق من ذهب للطائرتين المغيرتين” ص 63.
هذا النقد يؤكد أهمية وضرورة ممارسة النقد الذاتي لكل من يريد أن يصل إلى هدفه، والنقد هنا ليس مجرد فكرة، بل سلوك/ عمل يطهر التنظيم/ الحزب/ الحركة من الانتهازيين والوصوليين والخونة، وهذا يسهل الطريق أمام الثورة ويخلصها من حمل زائد لا داع له، ويجعل حركتها أخف وأسرع وأكثر ديناميكية.
وينقل لنا مقولة للأسير “حسام شاهين” يؤكد فيها أهمية الوحدة:
“علينا ألا ننسى أن لنا عدواً مشتركًا يتربص بنا، حين يأتي ليقمعنا… هراواته لا تفرق بيننا (كلنا في الغاز سوء)” ص 89 و90.
اللافت في هذا المقطع أنه يتجاوز حالة الأسرى، ويمكن أخذه إلى واقعنا الفلسطيني وحتى العربي، فالتشرذم أحد أسباب هلاكنا، وفي الوحدة/ التوحد سبب ناجتنا وخلاصنا.
أما الأسير “عاهد نصاصرة” فيتناول في كتابه “حنين” الواقع الفلسطيني بعد أوسلو بقوله:
“فقيادتها توقع ثم تفاوض، بدلاً من أن تفاوض ثم توقع، تشتري أسماكًا في مياه ولا تعلم أساسًا إن كان في تلك المياه أسماك أم ثعابين… تحول المشروع الوطني إلى مشروع استثماري ربحي… الثائر يدير الثورة من مكتب فاخر، أو سيارة فارهة، أو شاليه” ص 129.
هذا واقع الثورة الفلسطينية بعد أوسلو، فقد تم وأُدّت الثورة والثوار، ولم يبق منها إلا اسم “منظمة التحرير الفلسطينية” الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
يأخذ “قتيبة مسلم” دوره في نقد الواقع:
“أولئك الكومبرادوريين الذين نهبوا الوطن وثروته والغالبية صامتة صمت أهل القبور” ص 163.
فتناول الحالة الاقتصادية وما آلت إليه من تقسيم طبقي، فهناك متنفذون لا ينتمون للوطن، يهيمنون على مقدرات الوطن والمواطن، وهذه كارثة وطنية للدول المستقلة، فما بالنا ونحن تحت الاحتلال؟
الحرية والتحرر:
يتوقف الكاتب عند العديد من الكتاب والأدباء الذين تناولوا الأسر والحرية في أعمالهم الأدبية، منهم: عبد الرحمن منيف، بدر أحمد علي، أيمن العتوم، فيكتور هوغو، يوليوس فوتشيك، راشد حسين، أحمد دحبور، إنجلز وغيرهم كثر، ناقلاً بعض مآثرهم في هذا الصدد:
“شروق الشمس لا ينتظر النائمين… حرروا الحرية والحرية تقدم بالباقي” ص77.
نلاحظ أن الكاتب يركز على ما يخدم فكرة الكتاب، فكرة الحرية والتقدم للأمام، وهذا ما يجعله كتابًا جامعًا لفكرة الحرية والتحرر، ونبذ السكون/ الخنوع/ اليأس الذي يتفشى في الأمة.
مواجهة الاحتلال:
الأسير يواجه الاحتلال حتى وهو أسير، يقدم لنا “حسن عبادي” مشاهد من رواية “الأسير 1578” لـ “هيثم جابر” من خلال مقطع يشير إلى طريقة مواجهة الأسير لجلاده:
“أنا لا أعترف بشرعية هذه المسرحية التي يسمونها محكمة، أنتم القتلة الذين تلطخت أيديكم بدماء أطفالنا ونسائنا… أريد أن أسأل هذا الجلاد الذي وصفني قبل قليل بالقاتل والإرهابي والمجرم، كم فلسطينياً قتلت من أبناء شعبي؟” ص 207.
هذا المشهد يعطي صورة عن ضرورة مواجهة العدو، وعدم القبول/ الاستسلام له، مهما كان الظرف/ الحال.
الأسير الشاعر “أحمد العارضة” يرى الحرية من خلال قوله:
“مروحين يعني مروحين” ص 152، كتأكيد لإيمانه بالحرية والخلاص من الاحتلال ومن السجن وجدرانه.
وعن أهمية المقاومة المسلحة وضرورتها يقتبس شيئًا مما جاء في رواية “وجع بلا قرار” للروائي “كميل أبو حنيش”:
“أن تحمل بندقية هذا يعني أن تفرغ ما في أعماقك من ذل وجبن وخنوع ويأس، وأن لا حياة بلا رأس مرفوعة على الدوام” ص 176.
أشكال وأنواع المقاومة متعددة، منها المقاومة المسلحة التي أكدتها قرارات الأمم المتحدة، وأعطتها الشريعة، قبل أن تكون واجبًا وطنيًا/ قوميًا/ إنسانيًا.
حلم العودة:
عن حلم عودة الفلسطيني إلى الديار التي هُجّر منها غصبًا وكرهاً، ينقل لنا مشهدًا مما جاء في رواية “مرام ميريام” لـ “كميل أبو حنيش“:
“يا حجة عقبال العودة لصفوية” أجابت بلهفة واحتضان وقبلة:
“هذه أجمل أمنية أسمعها في حياتي، لم يقلها لي أحد منذ سنوات بعيدة” ص 187.
هنا نجد أهم جانب في المسألة الفلسطينية، الوطن/ الأرض التي ما زالت حاضرة في وجدان الفلسطيني رغم عقود مرت على احتلالها، فهناك حالة من الحلول بين الفلسطيني وفلسطين لا يمكن لأحد أن يمحوها/ يتجاوزها، وهذا يؤكد أن الصراع الفلسطيني–الصهيوني صراع وجود، لا يمكن أن ينتهي إلا بزوال الاحتلال.
وفي حالتنا الفلسطينية يقتبس ما قاله الشاعر “أحمد دحبور” عن العودة الناقصة:
“الحل هو إعادة المفاتيح واستبدالها بمفاتيح العودة التي لا بديل عنها… حقًا، ما أقسى أن يكون الإنسان في وطنه دون أن يملك حق الإقامة به” ص 109.
كتأكيد ضرورة حل المسألة الفلسطينية أولًا قبل أي مسألة أخرى، فنحن في المنطقة العربية علينا الاهتمام بمشاكلنا قبل أن نهتم بمشاكل الآخرين الذين وجدوا/ جاءوا للمحافظة على مصالح الغرب الإمبريالي في المنطقة.رؤية التحرر:
ويحدثنا عن رؤية التحرر عند الأسير “سامر محروم” التي تتجاوز الشكل، من خلال حديثه عن الحجاب:
“أعتقد أننا نعطي الحجاب اهتمامًا مبالغًا فيه كما لو أنه مفتاح الشر والآثام، إن لم يتم ارتداؤه وكل الخير عند ارتدائه” ص 119.
اللافت في هذا المقطع تجاوزه لما هو سائد، فسامر يقرع جدار المحرمات التي (لا يجوز) الخوض فيها أو المس بها، فجرأته تحسب له مرتين: مرة لأنه أسير وعليه التفكير في حالته، ومرة أخرى لأنه فلسطيني عربي يقرع مسألة مقدسة/ مسلّم بها، فهذا الطرح يمثل تجاوزًا للعقل العربي الذي تربّى ونشأ على التقليد وليس على التجديد والإبداع.
وبما أن مفهوم الحرية/ التحرر متعلق بتجاوز كل الشكليات التي لا تؤخر ولا تقدم، فقد تم نقل رؤية الشاعر “فراس حج محمد” عن ضرورة عدم التعامل بالألقاب:
“لماذا لا نبتعد عن الألقاب، ونحتفي بجماليات أسمائنا؟” وأنهى:
“وأخيرًا تذكروا بأن الألقاب ما هي إلا أوسمة للحمقى” ص 166.
لمعرفة واقعية وأهمية هذا الطرح، نتوقف قليلاً عند أي جلسة أدبية/ سياسية/ اجتماعية/ اقتصادية/ فكرية ونرى كم مرة نسمع كلمة: “أستاذ، دكتور”، مما يجعل المستمع يشعر أنه أمام جلسة رسمية أكثر منها شعبية/ عادية، وهنا يحدث بناء الجدار/ الحاجز بين المتحدثين، فهناك بيئة غريبة عليهم، مما يجعل الكلام/ الحديث وما فيه من أفكار/ مضمون في واد، والمستمعين في واد آخر.
[*] الكتاب من منشورات الرعاة للدراسات والنشر/ رام الله فلسطين، وجسور للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2025.
الكاتب والناقد رائد الحواري