الإقطاع في رواية “ميميد الناحل” يشار كمال ترجمة إحسان سركيس قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري

في وقت الألم/الحزن/اليأس نتقدم مما قرأنا أيام الشباب، لعلنا نسترجع شيئا من الأمل/الفرح الذي حملناه، يعيننا على تجاوز واقعنا البائس.

اللافت في هذه الرواية أنها تقدم البطل “ميميد الناحل” بصورة مقنعة، منطقية، حيث يتناوله السارد منذ كان صبيا في رعاية أمه “دينة” إلى أن أصبح فتى يحب ويعشق، يخطف حبيبته “حتشة” ويهرب بها بعد أن قرر “عبدي آغا” تزوجيها بابن أخيه، لكنه يتمرد على الإقطاعي “عبدي آغا” ويطلق النار عليه وعلى الخاطب، يموت الخاطب وينجو “عبدي آغا”، ليعيش في الجبال مع قاطع الطريق “دوردو المجنون” الذي كان يسلب الناس أموالهم، وحتى ملابسهم الداخلية، مما جعله محط حقد الناس وكرههم.

وكما تمرد “الناحل” على “عبدي آغا” يتمرد على “دوردو المجنون” ويمنعه من إهانة “كريم أوغلو” مهددا إياه بالقتل إذا ما تمادى في طلبه بخلع ملابسه الداخلية، لينشئ بعدها جماعته الخاصة التي قامت بدور مماثل لدور الصعاليك، يأخذون من الأغوات والأغنياء ويوزعون ما يأخذونه على الفقراء، حتى أنه وزع أراضي “عبدي آغا” على سكان القرى التي كان يسلبها ما تنتجه من قمح.

يتم مطاردة “الناحل وحتشة وايراز” وتطويقهم في الجبل، تصاب “حتشة” بطلقة في صدرها تفقد الحياة على أثرها، يقرر “الناحل” بعدها الاستسلام للقوات “العريف عاصم”، لكن “عاصم” بعد أن يعرف أن استسلامه جاء بعد أن فقد زوجته، ويهدف بهذا الاستسلام حماية مولوده الجديد، يقرر أن يبقيه طليقا، فيطالب من “الناحل” أن يطلق عليه الرصاص بعد أن يخرج الكهف، ليدعي بأن “الناحل” خدعه في إعلان استسلامه وهو يحاول قتله، وهنا تأخذ “ايراز” طفل “الناحل وحتشة” وتذهب به إلى إحدى القرى، ليواجه “الناحل” الدرك ويستمر في مواجهة ظلم الإقطاعيين، منتظرا العفو العام الذي تطلقه الدولة بمناسبة الإعلان الجمهورية التركية.

يتم إعلان العفو، يقرر “الناحل” تسلم سلاحه للدرك ليكون حرا طليقا، لكن إحدى النساء تسمعه كلاما يجعله يعدل عن قراره، فهناك خمس قرى تلقي أملها عليه، وعلى دوره في تخليصها من ظلم الأغوات، فيقرر أن يقتل “عبدي آغا” ليخلص القرى الخمس منه ومن شره، وليبقى مطاردا، مطلوبا من جديد، مفضلا مصالح العامة من الناس على مصالحه الشخصية، حيث يرغبون/يريدون أن ينعموا بحياة عادية/سوية بعيدا عن ظلم “عبدي آغا” وجبروته، وهذا ما يجعل “الناحل” بطلا شعبيا ينكر ذاته في سبيل الآخرين.


الإقطاع

هذا ملخص للرواية، لكن لا بأس أن نتوقف قليلا عند بعض تفاصيلها وما جاء فيها، ونبدأ من الظلم والظلام وكيف كانوا يستولون على الأراضي:

“وأصبح العشرون هكتارا من الأرض التي يملها علي صفا ثلاثين هيكتار، منذ السنة الأولى، ولم تكف عن الزيادة في السنوات اللاحقة… فأصبحت خمسة وثلاثين ألفا، أربعين ألفا، خمسة وأربعين ألفا، خمسين ألفا.. وأحد وخمسين ألف هكتار… وأصبح الفلاحون الذين لا أرض لهم مرابعين لدى علي صف، وعمالا في أرضه الخاصة” ص319و32.

أما كيف كانوا يعاملون الناس:

“إنه يستخدم الفلاحين كأنهم أرقاء وأنه يتركهم يموتون جوعا، وأن الناس جميعا يموتون في الشتاء جوعا، ويقال لأن أحدا لا يستطيع الزواج دون إذنه، وأن أحدا لا يستطيع الخروج من القرية، ويقال إن عبدي آغا يضرب الناس بعصاه في القرية، وإنه يسن القوانين في خمس قرى، وأنه الملك، يعمل ما يحلو له” ص73.

هذا ما يفعلونه وقت تكون السطوة لهم، لكن عند الخطر نجدهم يفرون، يهربون، يختفون، يتمسكون بالشعائر الدينية لتنجيهم من الخطر المحدق بهم:

“ويتساءل المرء ما الذي يجعله يقف ضد عجوز مثلي! كما لو إنني لم أضع بعد رجلا في القبر! فأنا لا أقضي وقتي إلا في الصلاة والسجود، ما الذي يهمني من الشئون الأرضية؟ ولكنني أدركت أنه سيأتي إلى القرية وسيقتلني” ص324.

هذا ما قاله “عبدي آغا” ل”علي الصفا” ليجذبه إلى صفه، ويجعله ينتقم له من “الناحل”، فله نفوذه عند مدير الناحية، ويستطيع أن يجعل الدرك يلاحقون “الناحل” ويمنعونه من التمادي في مطاردة “عبدي آغا”.


الطرح الطبقي

ما دام هناك إقطاع فلا بد من وجود طرح للصراع الطبقي، من هنا وجدنا بطل الرواية “الناحل” ينحاز للفقراء والمظلومين ضد الظلام والمستغلين للناس، أول وصية نظرية أخذها “الناحل” كانت من “سليمان” الذي يمثل المعلم له والناصح:

“ففي كلا الحالتين يوجد رؤساء، أما الآخرون فأرقاء، وأرقاء من أحط الأنواع… الرؤساء يعيشون كالبشر، أما الآخرون فكالكلاب… أنت ستصبح رئيسا، ولكن لا تعامل الآخرين كأرقاء” ص135.

من هنا تنامى هذا الصراع في “الناحل” حتى وصل إلى حالة العمل والفعل، فقام بتوزيع أراضي الخمس قرى المملوكة “لعبدي آغا” على الفلاحين:

“ما رأيك لو ملك كل شخص الأراضي التي يحرثها؟” ص337.

وهذا ما فعله “الناحل” بعد أن أصبح “عبدي آغا” طريدا له، فهو بطل اشتراكي بكل معنى الكلمة، فقد تم تطويره نظريا من خلال “سليمان”، وقام بتوزيع أملاك “عبدي آغا” على الناس، وهذا ما جعلهم يرون فيه بطلا ومخلصا وحاميا لهم.


الرواية من منشورات دار الفارابي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1981.

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *