الإيجابية في رواية “أحلام القعيد سليم” للكاتب نافذ الرفاعي قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري

السرد الروائي

العمل الأدبي الذي يُقرأ في جلسة واحدة، هو عمل متميز،
والرواية “أحلام القعيد سليم” للروائي نافذ الرفاعي تُقرأ في جلسة واحدة،
وهذا يُعد نجاحًا لها وللسارد الذي نوّع في أشكال السرد،
فأحيانًا نجده يستخدم “أنا السارد”، وأحيانًا أخرى السرد الخارجي/العليم.

أكثر من هذا، قام بتكسير وتيرة السرد في أكثر من موضع في الرواية:

“قالت عواطف للراوي: أكتب حكاية سليم ليقرأها الناس مرتين:
الأولى ليعرفوا كم الحياة جميلة يا كاتبي، والثانية ليعرفوا أن سليم خرج من جلده ومن عظمة منكسرا ومحطما،
ولكن روحه تسامت وعلت ورممت نفسها لتنطلق في ضوء لولبي متصاعد” – ص14.

اللافت في هذا المقطع وجود اسم رواية “الحياة جميلة يا صاحبي” التي تتحدث عن جمالية الحياة رغم قسوة الواقع ومرارته، وهذا ينطبق على حال سليم وعواطف وأمل.

ونلاحظ أن السارد يكشف لنا طريقته في عرض الأحداث: “لتنطلق في ضوء لولبي متصاعد” وكيف قدّمها روائيًا،
فالأحداث لا تُقدّم بطريقة متسلسلة أو متتابعة، بل نجده يقدم أحداثًا ويؤخر أخرى، ثم يعود ليكمل ويقدّم ما أخّره ويؤخّر ما قدّمه.

ولا يكتفي السارد بهذا الأمر، بل يُشرك الكاتب نفسه في أحداث الرواية:

“الكاتب: إذن تريدينني أن أروي شغف القعيد المجازف العاشق المغامر، مع حلم طائش، لا، بل، العالم هو الطائش” – ص14.

وهذا ما نجده في أحداث الرواية، وما تتويج العلاقة بين سليم وعواطف بالزواج والإنجاب إلا صورة عن شغف القعيد بالحياة الجميلة.

في المشهد السابق يتدخل الكاتب بنفسه في السرد، وفي موضع آخر يدخل السارد الكاتب في الأحداث:

“كان الكاتب يروض أفكار سليم في منظومة ذات سياق فعلي” – ص26.

وهنا يكون الكاتب قد لعب دورًا أساسيًا في أحداث الرواية، كاشفًا للمتلقي طريقته في التدخل وسرد الأحداث وتبيان طبيعة الشخصيات.

اللافت في هذا التكسير تماثله مع تكسير سليم لواقعه كقعيد/كسيح،
فكان تكسير السرد وكأن السارد/سليم يقول: “كما استطعت تسلق شجرة الجميزة، ها أنا أتسلق السرد الروائي وأتجاوز ما هو مألوف.”

بمعنى أن السارد سليم انتصر مرتين:

  • مرة حين تسلّق الشجرة ومارس حياة “عادية” بعد أن تزوج عواطف وأنجب منها،

  • ومرة أخرى حين كتب “أحلام القعيد سليم” وقدمها بهذا الشكل الجميل والشيق.


“عواطف، وأمل، والفوضوي”

من عناصر الجذب الأخرى في الرواية وجود الحبيبة عواطف التي استطاعت أن تتجاوز الغربة في الإكوادور،
وتمردت على زوجها الذي أرادها خامة له، فعادت إلى الوطن لتكون إلى جانب حبيبها سليم
ويقيمان عائلة رغم إعاقة سليم ورغم مرور سبعة عشر عامًا على فراقهما.

كما أن وجود أخته أمل التي قدّمها بصورة جدلية، تعطيه ويعطيها المحبة،
فقد وافق سليم على زواج كل أخواته باستثناء أمل.

وعندما سألته عن السبب، أجاب:

“لأنهن لسن مشروعي، أما أنت فحياتي وأمل أحلامي، كنت أعتقد أنني أعلمك، ولكني وجدت تأثيرك عليّ أعظم وأكبر.”

“تسرد عواطف للكاتب مجمل الحكاية” – ص50.

تحولت أمل من آخذة إلى معطاءة، قادرة على تجاوز الصعاب والعوائق —
وهذا ما جعلها تتجاوز سمعة الأب السكير المدمن — لتكون فعالة في الحياة وفي السرد أيضًا،
ومن هنا وجدناها تدعو الكاتب/الراوي ليدوّن ما تمليه من أحداث.

وكان وجود الفوضوي الملحد وزوجته من عناصر التشويق والمتعة في الرواية،
إذ أنقذا فتاة من القتل بتهمة “الشرف” وتبنّيا مولودها وسجّلاه باسمهما،
فأنقذاها من الموت والفضيحة معًا.

وعندما حملت زوجة الفوضوي رغم عُقمهما، كانا أقرب للإيمان رغم إلحادهما:

“قال للطبيب ما التفسير العلمي حسب رأيك؟
أجابه الطبيب ضاحكًا: لا يوجد تفسير، سوى عكس إلحادك، وهو إرادة الله.
إن سترك على الفتاة وتربية الطفل على أنه ابنك، أعطاك الله أنت وزوجتك.
قال: حمدا لك يا الله” – ص61.

وهذه الخاتمة، بما فيها من تحول نحو الإيمان، أعطت القارئ لمسة من الفرح والجمال،
وغرسَت فيه فكرة أن الله يُكافئ المعطاء المخلص حتى ولو بعد حين.

إذن، شخصيات الرواية المأزومة بمجملها تجاوزت حالتها وانتصرَت على واقعها،
وهذه الإيجابية نفتقدها في الرواية العربية عامة والفلسطينية خاصة.


الرمزية واللغة

إذا ما توقفنا عند الأشجار التي جاءت في الرواية:
“الجميزة، البلوطة، الزيتونة، اللوزة، الأفوكادو، العنب، الكرز، ونباتات النعناع والميرمية”
سنجد أن هناك جمالًا مقرونًا بالصلابة والفائدة، وبلذة الطعم وذكاء الرائحة،
وهذا يخدم إيجابية الطرح في الرواية.

ولم يقتصر جمال الأشجار على ما هو مادي فحسب، بل طال الجمال الأدبي من خلال الرمزية أيضًا:

“لم تنم أمل في تلك الليلة، حتى مطلع الفجر، خرجت لتتنفس هواء الصباح وتسقي شجرة الكرز التي طُعمت من شجرة لوز مر” – ص47.

اللافت في هذا الرمز تماثله مع حالة أمل وسليم، فكلاهما مذاقه “مر” —
الأولى مرفوضة اجتماعيًا لأنها ابنة سكير، والثاني قعيد —
ومع هذا تم “تطعيمهما” وأصبحا يعطيان ثمارًا جميلة وشهية ولذيذة ومفيدة.


الجمالية الأدبية

تم تخصيب الرواية بلغة أدبية تتماهى مع الأحداث وطبيعة الشخصيات التي تتمرد وتتحدى وتتجاوز واقعها:

“تضع يدها على شفتيه، ليصمت ولا يحكي عن عذاباته، وهو يسكتها بود ليمسح دموع الفرح،
تتواصل الموسيقى، يرقص بقدميه كما راقص الدبكة، بل أحيانًا كراقص الباليه،
يتوج الفرح والسعادة، يعانقها منهيا الرقص، يقفز على الأرض فرحًا ‘يا الله’،
عودة الحبيبة جعلتني أركض وأرقص وأقفز” – ص10.

هذا المقطع يعج بالحيوية والحركة:
“يرقص” مكررة خمس مرات، و”يقفز/أقفز، أركض” –
فكثرة استخدام الحركة تخدم حالة سليم بعد مقابلة عواطف.

أما بالنسبة لعواطف، فنجد في المقطع كلمات مثل الفرح ويعانقها،
فتجمع لغة المقطع بين الخلاص الجسدي لسليم والخلاص العاطفي لعواطف،
التي استعادت دفء الحب بعد سبعة عشر عامًا من الغربة والقهر.


المرأة والطبيعة

يقدّم السارد المرأة وأثرها بطريقة تتجاوز المنطق،
فرغم شلله وعدم قدرته على الحركة، إلا أنها جذبته إلى هذا الواقع:

“اقتربت من حافة البركة وأمسكت بيدها وسحبتها بقوة، استجابت بلا مقاومة ونزلت إلى الماء،
لعبنا بالماء وضحكنا، تحاول الابتعاد عني ولكني عاندت،
هبطت الماء بثوبها الذي كشف عن ساقيها قادمة لي وأنا ممتن لها،
شعرت بلذة بليغة متوردة بلغة الماء وارتعاش جسدي،
لمست جسدها بكل الأماكن وملأت عالمي، لأول مرة أشعر بنصفي المشلول يستجيب للمسها وحضنها،
دفنت الأوجاع التي تحتل هذا الجسد المترنح سبعة عشرة عامًا” – ص27.

تكرار الماء هنا ليس عبثيًا، فالماء رمز الحياة والطهارة والتجدد —
وكأن السارد يستعيد الحياة من ملامسة الماء وملامسة المرأة في آنٍ واحد.

وإذا علمنا أن السارد جمع بين جمال المرأة وجمال الطبيعة،
نرى هذا المشهد البديع:

“عمني إياها عابر حقول… يشذب بعض الأغصان النافرة، ويحتسي القهوة ويغادر.
سألني ما اسمها؟ تعجبت قائلًا: من هي؟
أشار نحو شجرة المشمش.
قلت: إنها شجرة، ليس لها اسم.
قال: أنت لا تحبها، يا بني، الشجر يحتاج الحنان والمحبة، أكلم شجيراتي يوميًا، أدور عليهن واحدة واحدة،
إذن أطلق عليها اسمًا أو كنية.
قلت بسرعة: عواطف” – ص6.

وهذا ينعكس على أسماء النساء في الرواية:
أمل منحت الأمل، وعواطف فجّرت العاطفة بعد جفاف طويل.


أسماء الشخصيات

أسماء الشخصيات في الرواية:
سليم، أمل، عواطف، زكا الشعار، مروان، علي، سامي، أبو عواد، خريستو، رامي، رولا، الفوضوي…
كلها أسماء جميلة مستساغة اجتماعيًا، وهذا يخدم إيجابية الرواية.

أما غياب أسماء الشخصيات السلبية – كالأب السكير وزوج عواطف –
فهو من باب نفور السارد منهم وإنكاره لوجودهم الرمزي.

وإذا علمنا أن السارد يتناول شخصيات أخرى تعرضت للإعاقة، كـ”الصبي الخطاط”
الذي استطاع أن يخط لوحة بيده رغم اهتزازها المتكرر وشلل اليد الأخرى،
فسنجد أن كل هذا يؤكد إيجابية الرواية ويعزز صورة الأمل والتحدي والانتصار على العوائق.

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *