البنية السردية بمفهومها الهندسي الصرف قراءة تحليلية للأديبة محمد البنا لنص «طقوس» للقاص السوري نزار الحاج علي

 النص

طقوس

(قصة قصيرة جدًا)

في كلّ ليلةٍ وقبل أن أغفو، يزورني الندم،
ومثل أي عاشقٍ يخلع قميصه، ثمّ يرتمي بجانبي على صفحة السرير.

وبينما أعضُّ على أصابعي، يهزُّ قدميه، ثم يركل الأرض مغتاظًا.

أحاولُ أن أتجاهله، غير أنّه لا يكفُّ عن الصراخ،
لذا في النهاية أتناول سكّينًا من تحت الوسادة، ثمّ أغرزه في صدري؛
نسقط متكومين فوق بعض.

في الصباح أدعو عاملة التنظيف، لتمحو كلّ الألم الذي ساورني،
لكنّها تبتسم، ثمّ تُغافلني… بإتلاف السطر الأخير.

نزار الحاج علي / سورية – 7 أبريل 2025


 القراءة

عادةً ما يهتمّ المبدع عمومًا، والسرديّ خصوصًا،
بوضع بنية أدبية متينة قدر الإمكان كي تتحصل على الإعجاب من القرّاء،
وتصمد أمام الرياح النقدية.
هذا ما يرجوه كل كاتب ويسعى إليه.

فما ظنّكم لو كان هذا الكاتب يمتهن الهندسة
مهنة مؤسّسة على قاعدة علمية وخبرة عملية طويلة؟
من حسن حظّنا، أو لنقل من حسن حظّ النص، أنّ كاتبه مهندس فعلًا.

 المدخل الهندسي

النظرية الهندسية تُبنى على أربعة عناصر:

  1. منطوق
  2. معطيات
  3. مطلوب
  4. برهان أو إثبات

وفي ضوء ذلك:

  • المنطوق: «طقوس» — بما تعنيه من أفعال مستمرة متكرّرة.

  • المعطيات: كما وردت في المتن، مثل (كلّ ليلة قبل أن أغفو / يرقد معي على فراشي…).

  • المطلوب: تحديد السطر الأخير الذي تمّ إتلافه.

  • البرهان: ما سيلي من تحليل.

 

التحليل البنيوي

يجب أولًا أن نُفرّق بين الأزمنة التي وردت في النص:

  • في كلّ ليلة → بداية الطقوس.

  • في النهاية → نهاية الطقوس.

  • في الصباح → بداية يوم جديد.

كلها أزمنة مختلفة، تُشكّل الإطار الزمني للحدث.

العنوان «طقوس» يُمثّل المفتاح الأساسي للفهم —
فهو يُحيل إلى فعلٍ متكرّر في زمنٍ ومكانٍ محدّدين.

الأفعال الطقسية واضحة:
(في كلّ ليلة / يرتمي على صفحة سريري / أتناول سكينًا / أغرزه في صدري).
وهذه الأفعال تؤكّد التكرار والاستمرارية.

 السطر الأخير الغائب

الجملة: «نسقط متكومين فوق بعض»
هل هي السطر المقصود بالإتلاف؟

لو حذفناها، هل يتأثر النص؟
الجواب: لا، لأنها وصفية لاحقة لا تغيّر الحدث الأساسي،
بينما الجملة السابقة «أتناول سكينًا من تحت الوسادة ثم أغرزه في صدري»
هي جوهر الطقس،
ففيها يتم التخلص من الألم بقتل الجسد المتألم.

إذن، حذف الجملة الوصفية لا يزيل الألم ولا يوقف الطقوس،
بل يتركها مستمرة.


 الخاتمة

هكذا يتجلّى البناء السردي في نص «طقوس» كبنية هندسية دقيقة،
تقوم على منطقٍ متسلسل ومعطياتٍ مترابطة،
ينتهي فيها النص بإشارةٍ ماكرة إلى الناقص الفني الذي يُكمّله القارئ.

تحياتي لك يا نزار…

الأديب محمد البنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *