التجديد في “ابنة الجنرال” لأبي علاء منصور قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري

عصر النت والانفتاح انعكس على الأدب، فأصبح هناك قصة وقصيدة الومضة، وأصبحت هناك الرواية القصيرة كظاهرة أدبية جديدة والتي تألق فيها محمود شاهين. ونجد تداخل الأجناس الأدبية مع بعضها، فالشعر دخل إلى الرواية، والحوار المسرحي أصبح مسألة عادية فيها، والقصة خففت من حجمها، بحيث نجدها بأقل من صفحة، والحكاية تداخلت مع القصة، والخاطرة نجدها جزءاً من السيرة الذاتية.

ما يميز هذه الاختلاط اللغة الأدبية التي يقدم بها العمل، والأسلوب والشكل الفني الذي يُقدم به. “أبو علاء منصور” يكتب جنساً أدبياً جديداً، يتداخل فيه السيرة الذاتية مع السيرة الغيرية، مع الواقع، وتمتزج القصة مع الرواية ومع الحكاية، بحيث لا يمكن تحديد هوية / جنس ما يقدم لنا. لكن بالتأكيد الصفة الأدبية هي السائدة والحاضرة في “ابنة الجنرال”.

المرأة والمجتمع الذكوري

فالمتلقي يستمتع بما يقرأ، ويستفيد من الأحداث والحكم التي تأتي على لسان الشخصيات أو السارد، وأيضاً ينمي المشاعر الإنسانية تجاه كل مظلوم، إن كان شعباً أم أشخاصاً. (الحكايات) الثلاث تركز على الظلم الواقع على الفلسطيني عموماً، وعلى النساء خصوصاً، فنجد النساء يتعرضن للاضطهاد والظلم من قبل الأزواج.

في (حكاية) العنوان “ابنة الجنرال”، يحدثنا الحاكي عن “فاتن” التي رحلت أمها وهي طفلة، فحاولت التمسك بوصية “عالية” أمها:

“لن أجعل الزواج المبكر يعترض طريقك كما وقع لي، فالعلم سلاح المرأة الأمضى في مواجهة تحديات الحياة” (ص14).

لكن أسر “مهند” – والدها – في الأرض المحتلة، جعلها وحيدة، مما دفعها للزواج من “هيثم” لتكتشف لاحقاً أنه يخونها مع جارتها، وهذا كان كافياً لطلب التخلص منه.

يتحدث الفدائي “عيسى” – حبيب “فاتن” – عن “سهاد / سميرة” والسبب وراء ممارستها بيع الهوى، ناقلاً عن لسانها:

“وأنا في الرابعة عشر اغتصبني قريب لي، نجوت من الموت لأنني لم أخرج حاملاً من تلك الواقعة، وكي يدفنوا الجريمة، زوجني والدي لرجل أكرهه… تخيل أنه يقاسمني الأجرة مناصفة” (ص36).

إذن الحاكي يتناول نساءً (صغيرات) تعرضن للظلم، مما دفعهن لبيع أجسادهن. لكن إذا ما وجدن ظروفاً طبيعية / سوية بالتأكيد سيكون نساءً طبيعيات، شريفات، كباقي النساء.

وفي حكاية “حين يعاندك الحظ”، يتحدث عن “مريم” التي تزوجت من ابن عمها الذي:

“يعود مخموراً في الليل فيخلق مشكلة لأتفه الأسباب، وقبل وفاته باع المنجرة التي ورثها عن والده وبدد ثمنها على القمار” (ص69).

نلاحظ فشل الزوج كزوج، وفشله في عمله، فرغم التركة الكبيرة التي ورثها، إلا أنه بددها. أما “سارة” فتكتشف أن زوجها: “مدمن مخدرات ومصاب بمرض جنسي” (ص79)، وهذا ما جعلها هائمة على وجهها في طريق الضياع، لتنتحل شخصية يهودية، وتفعل أي شيء للحصول على المال.

وفي حكاية “إنجاز تحت الصفر”، يتحدث عن “صفية” التي تلجأ مع عائلتها إلى مخيم اليرموك، يتقدم لها “أمجد” وهي لم تبلغ الخامسة عشر عاماً، وهذا جعلها تعاني نفسياً:

“إن تزوجته ستقبر نفسها وما زالت في عز الصبا” (ص97).

فكان خلاصها من خلال الثورة والعمل في جمعية الهلال الأحمر.

إذن نحن أمام مجموعة نساء صغيرات، تعرضن للظلم والاضطهاد من المجتمع الذي يفكر بمنطق أعوج. “مريم” التي رفض زوجها تطليقها، تتحدث عن مأساتها كأم:

“حين التقيت ابني قبل مدة رفض أن أحتضنه، ما الصورة التي رسموها لي في ذهن فلذة كبدي؟” (ص80).

ومأساتها كامرأة، ومأساتها كزوجة تريد التحرر من زوجها الفاشل:

“إجراءات الكنسية روتين قاتل، والناس مع القوي وزوجي صاحب نفوذ” (ص80).

كل هذا يجعل المتلقي يتعاطف مع نساء الحكايات، وينفر من الأزواج الفاسدين والقساة. بهذا يكون السارد قد أثار مشاعر القارئ إنسانياً، وجعله يتخذ موقفاً من الظلم والاضطهاد الذي يقع على كل مظلوم.

الفلسطيني

كل نساء الحكايات فلسطينيات، إن كن في الداخل أم في الخارج. لكن الحاكي لم يتوقف عند هذه النماذج، فتحدث عن الفلسطيني ناقلاً ما تحدثت به أحلام مستغانمي في رواية “ذاكرة الجسد”:

“حتى حين يجلس على كرسي، كان يبدو كأنه جالساً على حقائبه، لم يكن يوماً مرتاحاً، كأن المدن التي يسكنها محطات ينتظر فيها قطاراً لا يدري متى يأتي” (ص43).

من هنا وجدنا “عيسى” يتنقل إلى أكثر من دولة: إلى الأردن لكي يعبر بمجموعة من الفدائيين إلى غرب النهر، إلى إيطاليا ليشارك في مؤتمر، لكنه يستشهد على يد الموساد. وهذا جعل زوجته أرملة وأولاده أيتاماً.

اليهودي الإيجابي

رغم استمرار الصراع ودموية المحتل ووحشيته، إلا أن الفلسطيني استمر محافظاً على حياديته في تقديم اليهودي. وهذا ما نجده في كتاب “فلسطيني بلا هوية” لصلاح خلف، ونجده في العديد من الروايات والسير الاعتقالية التي كتبها الأدباء والكتاب الفلسطينيين. وهذا يُحسب للفلسطيني الذي يتحدث بصدق وأمانة، فرغم الإبادة التي يتعرض لها قديماً وحديثاً، إلا أن الكاتب الفلسطيني أمين للحقيقة، وأمين في تقديمها.

تتحدث “مريم” عن “إيتسك” اليهودي اليمني عندما أخذها من الشارع:

“تحركت فيه النخوة كيهودي من أصل عربي، فتعاطف مع امرأة من قومه” (ص83).

وتتحدث عن المرأة اليهودية التي عملت في بيوتها بقولها:

“أنها مثلنا من أصحاب البلاد الأصليين، تحدثت إلي بحنين عن أيام ما قبل اجتياح جراد المستعمرين الصهاينة لبلادنا، وكثيراً ما انهمرت دموعها وهي تردد بأسى: (سقا الله تلك الأيام، كانت يافا نموذجاً للعيش الجميل، كنا نعيش في وئام كعائلة، مسيحيين ومسلمين ويهود، عرباً وأجانب، لا يعلم غير الله ما حل بجارتنا أم أحمد وأم أنطون في مخيمات اللجوء، كنا كأخوات، نتضامن في المناسبات السارة والحزينة ونتشارك في صنع حلويات الأعياد” (ص85).

هذا هو الفلسطيني والأدب الفلسطيني، أدب حيادي، موضوعي عندما يتناول اليهودي، فيتحدث عنه كما كان. وعندما يتحدث عن الصهيوني يبين جرائمه ووحشيته، ويستطيع أن يميز بين الإنسان اليهودي، وبين العدو الصهيوني الذي يقتل كل ما هو فلسطيني: ناس، أطفال ونساء، بيوت ومؤسسات، مدن وقرى، جغرافيا وأرض، آثار ومعالم، أشجار ومزروعات، حيوانات وطيور فلسطين.

الكاتب والحاكي

من يعرف “أبو علاء منصور” يعلم أنه (يتحرك) مع الشباب والشابات، حيث يقوم بتوجيه أسئلة لهم، كاشفاً دوره ككاتب مدوناً ما يسمعه منهم. في “حين يعاندك الحظ” نجده حاضرا في الحكاية من خلال هذا المقطع:

“أنا كاتب كما تعرفين، لدي رغبة بأن تحدثيني عن تجربتك، فربما تصبحين نجمة رواية أكتبها” (ص76).

هنا “أبو علاء منصور” يكشف شيئاً عن ذاته، وعن عمله ككاتب، يبحث عن معلومات / قضايا / أشخاص يقدمهم أدبياً.

والكتابة بالنسبة له عمل وطني ومسؤولية اجتماعية:

“الكتابة ليست ترفاً ولا كلاماً منمقاً، إنها رسالة ومسؤولية، وواجب الكاتب أن يشحن القراء بقوة الأمل” (ص77).

هذا هو دور “أبو علاء منصور” ككاتب ملتزم تجاه شعبه عامة، والشباب خاصة، وما أبطال الحكايات من الشباب إلا تأكيداً لرؤيته تجاه الأمل / المستقبل الذي يراه فيهم.

الحِكم

إذا ما توقفنا عند الحكايات سنجد أن الكاتب يسعى لتقديم خلاصة تجربته للقراء، من هنا نجده يختزل أفكاره عن الحياة ويقدمها على شكل حِكم:

  • “التساؤل مفتاح العقل والإيمان” (ص26).

  • “الفرص التي لا نبادر لاقتناصها لا تعود” (ص32).

  • “يصعب عليّ تخيل إبداع دون لمسة جنون” (ص38).

  • “الحب عند المرأة كالشمس للزهرة” (ص42).

  • “الحب محرم على الفدائي” (ص45).

  • “البطل يجعل التعثر مدخلاً للنهوض” (ص75).

  • “حديث المرء عن مآسيه يجعله يدفع الثمن مرتين” (ص77).

  • “الغرق في وحل الأزمة يعمي البصر عن رؤية الحلول” (ص78).

مثل هذه العبارات المختزلة تشير إلى أن الكاتب لا يبحث عن (مط / تكبير) العمل الأدبي، ويريد تقديم ما هو مفيد وجميل بشكل مختصر ومكثف. من هنا وجدنا عدد صفحات “ابنة الجنرال” لا تتجاوز المائة وعشرة صفحات.

الصورة والرمز

الأدب ليس أفكاراً أو تقديم معلومات، بل لغة وطريقة تقديم وأسلوب أدبي. لهذا نجد الكاتب يقدم مجموعة صور أدبية في كتابه “ابنة الجنرال”، منها:

“فاض جمال فاتن كسنبلة قمح” (ص14).

فهذه الصورة تخفف على القارئ شيئاً من قسوة الأحداث الموجعة التي حدثت “لفاتن” ولحبيبها “عيسى”.

“لمس ثغرها فأشرقت على ثغرها ابتسامة جريئة” (ص24).

نلاحظ أن الكاتب كلما كانت الأحداث قاسية، والشخصيات تتألم، يعمل على إيجاد مخففات تحد من وقع القسوة على المتلقي. بمعنى أنه يهتم بالحالة النفسية للقارئ، ولا يريد إرهاقه بأحداث موجعة. وإذا ما فرضت عليه ذلك، فإنه يلجأ إلى أشكال وطرق تخفف عليه – قدر الإمكان – من تلك القسوة.

الرمز

رغم أن الأحداث واقعية، فمصدرها أشخاص سمع “أبو علاء منصور” حكاياتهم، إلا أنه كأديب يضمن تلك الحكايات بصورة ورمز أدبي، يمتع القارئ بطريقة عرض الفكرة / الحدث:

“كيف أصبحت شجرة؟ ماذا لو لم تلاحق الماء في بجذرها؟ لو لم تصمد في وجه الريح وتنحني عند الضرورة؟ لو لم تنجذب للشمس؟ ماذا لو أساءت التعامل مع تقلبات الطقس؟” (ص33).

إذا ما توقفنا عند هذا المشهد سنجده يتجاوز الشجرة، فهو متعلق بالثورة / بالحالة الفلسطينية التي تعمل في ظروف في غاية الصعوبة، ومع هذا عليها التمسك بالثوابت الوطنية.

نظرة عامة على الحكايات

أعتقد، كان يمكن أن تكون “ابنة الجنرال” رواية قصيرة. لكن طريقة كتابة “أبو علاء منصور” لا يمكن تقييدها بجنس أدبي، فهو كاتب متمرد، يرفض الانصياع حتى للجنس الأدبي. لهذا قدم لنا (حكايا) منفصلة عن بعضها، لكن يجمعها هموم المرأة الفلسطينية، هموم الشباب والشابات.

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *