1 – القصة:
تيتانيك في خورشيد
أعرف أن هذا جنون مطلق، لكنني متأكد أن الجنون هو ما سيحدث، ولابد أن أفعل شيئًا سريعًا ولو على حساب حياتي.
شاهدت كل عروض فيلم تيتانيك في جميع دور السينما بالإسكندرية.
في سينما سان استيفانو؛ كان جاك يبتسم سعيدًا بتضحيته حياته من أجل روز، اللمعة الأخيرة في عينيه أضاءت محيط الثلج الذي ابتلعه، لكنها كانت مفعمة بالرضا، كانت صورة روز وهي جالسة في حديقة منزلها الصغير على كرسي هزاز محتضنة صورته بجوار قلبها طوال الوقت وحتى آخر لحظة من حياتها؛ هي آخر ما رآه خياله.
لم ألاحظ أنني أشعر وأرى مع جاك إلا بعد مشاهدتي الفيلم في سينما ليلى بباكوس، وهي سينما درجة ثالثة. كنت أظن أنه مجرد توحد المُشَاهِد مع البطل، ثم اكتشفت أنني أصبحت جاك نفسه، وشعرت بالتشوش لتداخل صور عديدة في ذهنه/ذهني لروز وهي ترقص، وهي منتشية بالخمر، وهي في أحضان عدة رجال، وهي تحت رجال أكثر، وليس من بين كل هذه الصور صورتها الطوباوية على الكرسي الهزاز.
كانت نظرته في كل عرض للفيلم تتغير من الرضا إلى الشك، إلى الحيرة، ثم الإحباط، فاليأس، ثم صارت نظرته تنطق بغضب شديد في آخر عرض للفيلم بالإسكندرية.
مزقت المسودة العاشرة لسيناريو فيلمي الجديد، هو الفيلم الثالث الذي أكتبه، أما الأول والثاني فقابعان في مكان ما بحجرتي الغارقة في الفوضى، إذ لم أستطع تسويقهما لدى أي شركة إنتاج.
فيلمي الجديد عن الأرض الخالية ذات السور المتهدم خلف بيتنا، مساحتها فدان تقريبًا، كانت منذ عقود مصنعًا صغيرًا للنسيج، تم إغلاقه وتركه مأوًى للكلاب والقطط وأشباح طفولتنا. قبلها كانت هذه الأرض قصر السيد الجزيري مالك أراضي خورشيد كلها، كان بالقصر صالة كبيرة للعروض السينمائية بكاميرا 8 مم، يشاهد صاحب القصر الأفلام مع أسرته، ثم يسمح لأهل القرية بمشاهدتها بعد ذلك.
فهل أبطال هذه الأفلام هم العفاريت التي كانت تلعب في الأرض الخربة وتمنعني النوم لأن نافذة حجرتي تطل عليها؟
جلس جاك على صخرة معشبة وسط الأرض الخربة، كان يرسم بسرعة، وكانت أعمال محور المحمودية جارية على قدم وساق لإنشاء طريق عصري على ضفتي الترعة.
انتهى جاك من الصورة، ثم رفعها أمام عيني، أخرجت جهاز الموبايل خاصتي لأرى تفاصيلها في الظلام، كانت خورشيد غارقة في طوفان! المياه تتدفق بعنف من الشاشة، تغرق صالة السينما بمن فيها، تغرق قصر الجزيري، وتواصل هديرها الغاضب في شوارع القرية مكتسحة كل ما يقابلها.
فزعت: “ما هذا؟”
– “هذا ما سيكون إن لم تغير سيناريو تيتانك!” – قال جاك.
كنت قد عرفت أن إحساسي بجاك ورؤيتي ما يراه ليس تماهيًا عاديًا، بل حيلة خبيثة منه ليجعلني تحت سيطرته، فأنا المختار بالنسبة له، أنا من عليه أن يغير تاريخ العالم، وتاريخ جاك وروز بالذات!
برغم الظلام؛ شعرت بدموع جاك وهو يتحدث بصوت مشحون بالألم:
كنت أظن أنني سأحيا إلى الأبد لأن روز سوف تتذكرني، لكني لم أصبح سوى ذكرى باهتة تمر ببالها كل عدة سنوات، ولا تتوقف عندها كثيرًا، شعرت أنني خرقة بالية ملقاة في مزبلة، أريد استرداد حياتي!
بعد موته؛ شعر جاك بالندم، فروز جميلة جدًا، وليست أي شيء عدا ذلك، مجرد فتاة تافهة غير موهوبة، أما هو فعبقري كان يجب أن تملأ أعماله متاحف العالم ومعارض الفن التشكيلي الكبرى، ما حدث كان خطأً كبيرًا، وسوء اختيار. يعترف جاك أن حماس الشباب ومضاجعته الممتعة لروز دفعاه إليه، وهو يريد الآن إصلاح الخطأ بواسطتي.
– لا يجب أن أموت بديلًا عن روز، هي يجب أن تموت، وأنت عليك أن تفعل ذلك، وإلا فلتغرق خورشيد كلها – تحدث جاك بتصميم مرعب.
كان “علي الشامي”، مشغل آلة العرض السينمائي، يستعد لتشغيل فيلم “خالد بن الوليد” بطولة حسين صدقي. صالة العرض في قصر الجزيري لا تتحمل أكثر من ثلاثين شخصًا، لكنني رأيت بها مئات من أهالي خورشيد.
أبي شاب وسيم بلا شارب يجلس على ركبته حفيدي “محمد باسم”، كثيرون ممن ماتوا، وممن لم يولدوا بعد. عقدت الدهشة ألسنة الجميع، فقد انطلق خالد بن الوليد بحصانه في الصحراء، وبعد لحظة إظلام، أضاءت الشاشة بفتاة رائعة الجمال ترقص مع عمال سفينة، كان جاك يقف بجواري، نظر إلي بتواطؤ، ثم قفز إلى الشاشة، رقص مع روز، ثم أخذها إلى السيارة، رسمها، وضاجعها، وفرَّا إلى السطح. كان المكان خاليًا، والجمهور اشتعلت حماسته تصفيقًا وصفيرًا عندما رأى أحد أبناء خورشيد يدخل إلى الفيلم.
تأمّلت لوحة روز العارية، فلاحظت أن خلفها لوحةً أخرى، ألقيت بروز على كنبة السيارة، وتأملت تفاصيل اللوحة المختفية، “طوفان خورشيد”.
التصادم والذروة:
اصطدمت تيتانيك بجبل الثلج بعنف، فوقعتُ على الأرض من هول الصدمة، توقف عقلي عن التفكير للحظات، وكان أبي يحتضن حفيدي، والرعب يطل من عينيه. تمالكت نفسي، أخذت لوحة الطوفان وقفزت من الشاشة خارجًا من صالة العرض بأقصى سرعتي، وقفت أمام مجرى المحمودية، حمدت الله أنه يعاني الجفاف بسبب مشكلة سد النهضة، لففت اللوحة حول جسدي بإحكام، تدفق الطوفان في مجرى المحمودية، وفاض على مسافات ضئيلة من ضفتيها، وبينما أغرق كانت سينما الجزيري تتلاشى ليحل محلها مصنع نسيج ثم أرضٌ خربة، كنت خائفًا من لقائي القادم مع جاك بعد أن خدعته، لكنه كان يغرق في الثلج بلا أوهام حول جلسة روز فوق كرسي هزاز محتضنة صورته.
2 – القراءة:
تقديم:
عندما يدخل القاص لإعدادات الملفات في دماغ القارئ، يتلاعب بها ويبعثرها كما يشاء، هنا نعي اتساع العوالم التي تتيحها النصوص السردية عامة والقصة القصيرة خاصة، عوالم تكفر بمسلمات العقل والإدراك وتعيد ترتيب عناصر الوجود، فالمكان ليس ثابتًا والزمن ليس خطيًا، والروح ليست مرتبطة بجسد معين، والقدر ليس حتميًا، الخيال واقع والواقع خيال، كل شيء متحرك وقابل للتداخل، المكان غير ثابت ويقبل التمدد.
هذا التلاعب بعناصر الوجود تم على خلفية فلسفية تطرح سؤال التاريخ والمصير، تثور على الواقع المرير وتدق ناقوس الخطر لما هو آت.
فكرة النص:
النص مبني على فكرة التراكب:
-
تراكب عالم متخيل لفيلم تيتانيك مع عالم واقعي لقرية خورشيد.
-
تراكب شخصية جاك بطل الفيلم مع شخصية الراوي الذي هو مواطن من خورشيد.
-
تراكب سفينة تيتانيك مع أرض خربة في خورشيد.
-
بناء العقدة على الخوف من تراكب مصير بلدة خورشيد مع مصير تيتانيك أي الطوفان والغرق.
إشارة سيميائية استدعت الرجوع إلى تاريخ الأرض الخراب، التي كانت قصرًا، ثم معملاً قبل أن تستحيل خرابًا مقفرًا، مما يحيلنا على واقعنا العربي وتاريخه الماضي في الانحدار. فنحن في مرحلة خراب تنذر بطوفان سيغرق الجميع، والحل يتأتى في بطل كبطل قصتنا يدخل إلى صلب الأحداث ويغيرها ليجنبنا الغرق والطوفان.
هي ثورة على واقعنا المزري في ثوب سردي أنيق وأسلوب سهل ممتنع يأسر القارئ ويأخذه بعيدًا عن الواقع المعيش، وفي نفس الوقت يخلخل هذا الواقع ويرمي بحجارة في بركتنا الآسنة.
الخطاطة السردية:
البنية السردية كلاسيكية، مكونة من ثلاث مراحل:
-
الاستهلال الصادم
-
مشهد الانطلاق يعبر عن فيلم تيتانيك ورضا البطل عن نهايته الرومانسية
-
بداية تراكب عالم الفيلم المتخيل مع عالم خورشيد الواقعي، بتراكب شخصية جاك بطل الفيلم مع شخصية الراوي، والمرور للتمرد على أحداث الفيلم
-
الانتقال لوصف واقع خورشيد، شخصية الراوي ككاتب سيناريو فاشل، وواقع المكان مع حمولته التاريخية
-
المرور إلى تراكب العالمين: عالم الفيلم وعالم خورشيد، بتواجد بطل الفيلم على الأرض الخربة لخورشيد، التصاعد التدريبي للأحداث بتمرد البطل على واقع الفيلم
-
تأزم الأحداث بتداخل الفيلم مع الواقع، وانتقال البطلين من قاعة السينما إلى أحداث الفيلم، يصل تراكب العالمين لذروته
-
الوصول إلى الذروة ووضعية بطل القصة الذي تضع على عاتقه مسؤولية إنقاذ بلدته
-
القفلة ونهاية الأحداث بتجنب الكارثة من خلال التصرف البطولي للراوي
التقنيات السردية المستعملة:
-
الاستهلال الصادم: “هذا جنون مطلق”، والإنذار بحدث خطير ووشيك: “الجنون هو ما سيحدث”، وجعله قضية حياة أو موت: “ولو على حساب حياتي”، جعل القارئ يدخل في النص بكل جوارحه وهو مستعد لتقبل العالم الخاص الذي ستضعه فيه القصة كبنية مستقلة عن كل العوالم المتعارف عليها.
-
التناص: ذكر عناصر لفيلم معروف لدى العامة، جعل من كل معطيات الفيلم وحيثياته القابعة في ذهن القارئ خلفية للسرد.
-
التدرج الوجداني: استخدام متتالية وصفية دقيقة المعاني لشعور البطل جاك: “رضا – شك – حيرة – إحباط – يأس – ثم غضب شديد”.
-
كشف دور الإعلام في التلاعب بالإحساس الجمعي، وكيف يجعلنا نتعاطف مع أحداث لاأخلاقية ليصورها لنا مثالية.
توظيف الزمن السردي:
-
زمنان خطيان:
-
زمن الفيلم، الذي ينتهي بلحظة تأمل البطلة في شيخوختها على كرسي هزاز.
-
زمن بلدة خورشيد الواقعي وتحول الفضاء من قصر للعمل لأرض خلاء، مع التحكم في الوتيرة السردية بالتسريع والإبطاء.
-
-
الزمن المتداخل أو التراكب الزمني: استعمل المفارقة الزمنية، دمج زمن الفيلم الذي يعود إلى أوائل القرن الماضي بزمن بلدة خورشيد الحاضر، وتواجد بطل الفيلم على الأرض الخلاء.
-
الزمن المتشظي: الرجوع لقاعة السينما المتواجدة في الماضي، للوصول إلى زمن سوريالي فوق واقعي يجمع بين كل العصور وكل الأجيال، ويستحضر الأموات ومن لم يولدوا بعد، ليتحول الزمن إلى فضاء سردي قائم بذاته.
الحمولة الرمزية للنص:
-
الطوفان والتوجس منه: كمآل لسيرورتنا التاريخية، وارتباطه بالحمولة الرمزية للمكان: قصر يضم قاعة سينما، ثم مصنع، ثم أرض خلاء. “هل أبطال الأفلام هم عفاريت الأرض الخلاء؟” جملة تعبر عن ذاكرة المكان وحمولته التاريخية.
-
الطوفان يأتي بعد اندثار السينما (أزمة ثقافة)، ثم اندثار المعمل (أزمة إنتاج واكتفاء)، ثم الخراب ينذر بطوفان.
-
روز: رمز للمظاهر السطحية الزائفة، نقد الصورة النمطية الرومانسية، مقارنتها بنظرة عقلية منطقية.
-
رمز المكان: خورشيد: تمثل عالمنا العربي ذي الماضي المزهر والواقع الأليم، والعنوان يربط بين تيتانيك رمز القوة والفخامة، وخورشيد رمز البساطة.
خاتمة:
قصة تيتانيك في خورشيد متفردة في فكرتها، طرحها، أسلوبها، وتقنياتها.
هي جوهرة سردية من إبداع أديب متمكن من أدواته، خلاق في أفكاره.
ارفع القبعة للأديب منير عتيبة، وأتقدم بالشكر للمنتدى العربي للنقد المعاصر على هذه الوجبات الأدبية الدسمة.
الكاتب سليم بوشخاشخ