أحبَّها أسعد بصمت، ولعدة أشهر كان يتابعها بعينيه، وهي جالسة على الطاولة، تدرس مع أخته استعداداً لفحص البكالوريا. شكلها وملابسها الأنيقة التي تعكس وضع أسرتها الغنية، تذكّره بممثلات هوليوود النحيفات المتألقات، ما يثير في نفسه كل الرغبات الجنسية المكبوتة التي يعاني منها صبيٌّ في السادسة عشرة من عمره. كانت كلما ابتسمت اعتبرها هدية سرية موجهة إليه، بالنهاية تصوَّر أنه انتظر ما يكفي، وأنه قد حان الوقت ليعبّر لها عن حقيقة مشاعره، لا شك أنها تبادله المشاعر نفسها.
انتظر فرصة خروج أخته من الغرفة، واقترب منها وهو يرتجف كطفل صغير، واعترف لها بأنه يحبُّها لدرجة العبادة، ابتسمت بنعومة من دون اهتمام قائلة: “هل هذه مزحة؟”
هزَّ رأسه بخجل ليؤكد كلامه، استغربت من وقاحته وجرأته معها، خطر لها أن تذكره بالفارق الاجتماعي بين أسرتيهما، ولكنها تمالكت نفسها في اللحظة الأخيرة قائلة:
“أنت شاب ممتاز، لكن أنت آخر شخص قد أفكر أن ارتبط معه بعلاقة عاطفية”.
هدفها من هذه الكلمات القاسية أن تقطع عليه الطريق، لكيلا يتحرّش بها مرةً ثانية.
وقعَت عليه هذه الكلمات وقوع الصاعقة، وشعر بالإحراج الشديد، وحطّمت كلماتها الصورة المثالية التي كان يتخيلها عن نفسه، والتي لعبت السينما وأحلام اليقظة دوراً في تكوينها. اكتشف لأول مرة بأنه صبي بشع، لا تنجذب إليه البنات، وفاشل بالدراسة، ومكروه من جميع أفراد أسرته، وحتى من طلاب صفه، لقد أحدثت كلماتها شرخاً في شخصيته المهزوزة غير قابل للالتئام.
في اليوم التالي، سمعت بأنه أقدم على الانتحار، بلحظتها توقفت عن زيارة أخته في منزلها، كي لا تتورط في هذه القضية، ولعلها شعرت بنوع من تأنيب الضمير، لكنها أقنعت نفسها بأنها ليس لها أي علاقة بهذا الموضوع، إلى أن استلمت رسالة بالبريد من أسعد، كان قد كتبها قبل انتحاره مباشرةً، وفيها جملة واحدة:
“سأبقى أحبك إلى الأبد”.
شعرت بإحساس مزعج، ورعشة خفيفة، وصداع لم تعهده من قبل، بعد قراءة هذه الكلمات، كأن شيئاً ما تغلغل إلى داخلها، فانهمرت دمعة من عينها لم تستطع إيقافها، ليس لأنها لم تكن تحبه، بل لاكتشافها قوة الحب المخيفة، التي يكنُّها الشخص لإنسان آخر لا يبادله الحبّ.
عندما ذهبت إلى غرفة نومها في تلك الليلة، كانت تشعر بصراع داخلي مرير، استلقت على فراشها، فأحسّت بثقل شديد، ثم بقشعريرة غريبة، تلى ذلك استرخاء عميق، حتى إنها أصبحت غير قادرة على تحريك عضلات جسمها، لقد أصيبت بشلل النوم.
أدركت بلحظتها بأن جسدها الأثيري بدأ ينسحب ببطء من جسدها المادي، ثم أحسّت بجسدها الأثيري يرتفع إلى سقف الغرفة، ليشاهد بدوره جسدها المادي، وهو مازال ممدداً في الفراش. اكتسبت حرية مطلقة على الحركة في أي اتجاه تريده بمجرد التفكير فيه، وقدرة على اختراق الجدران والأجسام الصلبة، كما لاحظت وجود حبل فضي مازال يربطها بجسدها المادي، إن عليها أن تحافظ عليه، لأنه الطريق الوحيد لتعود من خلاله لجسدها.
وجدت نفسها في مكان لا شكل له، لا جدران لا أرض ولا سقف، ظلام يتحرك بكل الاتجاهات مثل سائل أسود، أخذت تغوص فيه، فأصيبت بضيق في التنفس واختنقت أفكارها. أدركت أنّ بداخله يقف مخلوق تحس به ولا تراه، ثم سمعت صوتاً مرعباً، بنغمة شاذة لم تسمعها من قبل، ولا تريد أن تسمعها مرة ثانية.
نظرت إلى المرآة لتجده منقوشاً عليها:
“سأبقى أحبكِ إلى الأبد”.
فهمت بأن ظله قابع بين المرآة وروحها، وستعيش في معاناة لا تنتهي، حتى تجد ساحراً خبيراً يفكُّ هذه اللعنة.
نظرت مرعوبة إلى المرآة مرةً ثانية، اختفت النقوش، لكنها لم تعد تعكس وجهها وحدها، لمحت خلف كتفها رجلاً لا ملامح له، يقف قريباً منها، انحنى عليها، حتى صارت تشعر بأنفاسه الباردة على رقبتها، بدأت تتداعى وتفقد توازنها، جاء الصوت هامساً:
“أنتِ دمرتني”.
عندها فهمت بأن أسعد لم يعد بشراً، تحوّل إلى شيء آخر يعيش بين الانعكاسات، يقتات على الكراهية التي زرعتها في قلبه قبل أن ينتحر، ثم مال برأسه بطريقة مخيفة، وهمس في أذنها:
“المهم أخيراً أنك رجعت”.
ارتدت خطوة إلى الوراء، واقفة في غرفتها تتنفس الظلام، شمت رائحة غريبة للهواء، رائحة صدأ الحديد، تعرفت عليها مباشرةً أنها رائحة الدم. لكن الغريب انحنى أكثر واقترب منها، وبنبرة فيها كراهية باردة قال مشيراً إلى السرير:
“هذه ليست أنتِ، هذه هي التي بقيت منك”.
أمسكها من كتفها بقوة غير بشرية، لاحظت أن ظلّه على الأرض لا يتحرك معه، كان الظل يتحرك بشكل مستقل، رافعاً يديه متقدماً نحوها، وفي لحظة لا تنسى همس في أذنها:
“اصرخي بأعلى صوتك، أريد أن أساعدك قبل أن يذبحك”.
استغاثت بصوت عالٍ، ثم استفاقت على همسات أمها، وهي تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، تهدّئها قائلة: “لا تخافي، كابوس والحمد لله قد مرَّ على خير”، فشعرت بالأمان، وهي تحسُّ بيد أمها، تلامس شعرها قارئة بعض الآيات القرآنية.
الكاتب أمين الساطي