الحرب في كتاب “التاريخ فكرا استراتيجيا” باسيل ليد هرت – تعريب: حازم طالب مشتاق قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري

هناك كتب تبقى مؤثرة في المجتمعات الإنسانية، ويعود ذلك لموضوعية كاتبها وحياديته،
رغم أن “ليد هرت” ينتمي لدولة غارقة في خوض الحروب ومعادية للشعوب الأخرى،
إلا أن الكاتب إنساني، واستطاع أن يقنعنا بما جاء في كتابه،
فهو يقدم أفكارا إنسانية، عابرة للجغرافيا وللزمن،
فيُمكن لكل من يقرأها الاستفادة منها.

من هنا جاءت ترجمة الكتاب من قبل العراقي “حازم طالب مشتاق”
الذي عانى كعراقي وكعربي من الإنجليز الشيء الكثير،
ويكفي أن نجد تقسيم المنطقة سياسيا، ووجود دولة الاحتلال الصهيوني الجاثمة على أرض فلسطين،
كله تم بدعم الإنجليز، ومع هذا وجد المعرّب قيمة معرفية وفكرية في “التاريخ فكرا استراتيجيا”
يجب تقديمها للقارئ العربي حتى يستطيع التعامل مع الأحداث المستقبلية،
خاصة أن المنطقة العربية من أكثر المناطق حساسية في العالم.


العمل العسكري

سأحاول تقديم شيء مما جاء في الكتاب،
وذلك لأنه يعتبر من الكتب النادرة المتعلقة بالحروب وعلمها.

الكتاب يقدم فكرتين عن الحروب:
الأولى تقول بخوض الحرب الخاطفة والسريعة التي تستند على إيجاد ثغرات الضعف في العدو والعمل على اختراقها،
وهذا ما يربك العدو ويجعله يستسلم أو يقبل ما حصل على أرض الواقع.

أما الثانية، فتقول بسحق العدو سحقا كاملا وكليا، بحيث يخضع دون قيد أو شرط،
وهذا ما أطلق عليه النصر الكامل المطلق.

وقد توقف الكاتب عند هذا الأمر كثيرا، مبينًا أن إصرار “تشرشل” على سحق الألمان وجعلهم يخضعون للاستسلام دون قيد أو شرط،
كلّف الإنجليز خسارات كبيرة وكثيرة، منها خروج بريطانيا كأقوى قوة في العالم،
وظهور عدو جديد “الاتحاد السوفيتي” لا يقل خطرا عن الألمان،
هذا عدا الخسائر المادية والبشرية التي دفعتها بريطانيا في الحرب.

فكان يمكن تقليص هذه الخسائر لو وُضعت شروط أقل تشددا للألمان لإنهاء الحرب.

“نتعلم من التاريخ أن الانتصار الكامل المطلق لم يتوج أو يكتمل أبدا بالنتيجة النهائية القاطعة
التي كان المنتصرون يتوقعونها ويتمنونها دائما، وهي السلام الحقيقي الوطيد الدائم…
لأن الانتصار الكامل المطلق يولد في نفوس المهزومين نوعا عارما من الرغبة في تأكيد الذات
وإثبات الوجود والانتقام من المنتصرين بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء،
والرجوع بالوقت على ما كان قبل أن ينتصر المنتصرون.” – ص160

اللافت في هذا المقطع أنه يتماثل تماما مع واقعنا كفلسطينيين في غزة،
فقد أعدنا عقارب الساعة إلى بداية الاحتلال،
وذلك لأنه لم يستوعب ما طرحه “ليدل هارت” آنفا،
وفكرة بعقلية النصر المطلق التي دفعت الفلسطيني للاستبسال في مواجهة العدو،
وتكبيده خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات،
وإجباره على خوض أطول حرب في تاريخ دولة الاحتلال.


الأسئلة

الكتاب الجيد هو الذي يطرح أسئلة،
تحول القارئ/المتلقي من كونه مجرد وعاء إلى مفكر يستخدم عقله في الوصول للحقيقة.

من هنا يطرح الكاتب هذه الأسئلة:

“هل يمكن أن نتصور وجود رجل عظيم من رجال الدولة دون وجود فن إدارة الدولة؟
وهل يمكن أن يكون هناك وجود للجنرال العظيم دون وجود الحرب؟
وهل يمكن أن يوجد أديب عظيم إذا لم يوجد الأدب؟” – ص92

إذا ما توقفنا عند هذه الأسئلة سنجدها تنطبق تماما على المنطقة العربية،
فنجد (المشير/العميد/اللواء/القائد) العظيم، رغم أننا نعيش في زمن الهزائم والخنوع والتبعية والانكسار،
ونجد فخامة الرئيس، وجلالة الملك والسلطان، وسمو الأمير،
مع أننا ندفع الأتوات/الجزية لأمريكا ونحن أذلاء منكسرين/منبطحين.

“ما الفائدة إذا كنت كسبت الحرب وخسرت السلام” – ص149

وهذا القول ينطبق على العدو الذي يسعى لقتل وتدمير كل ما هو فلسطيني ليحقق (النصر المطلق)،
لكنه لن يحصل على السلام،
وسيتم مطاردة القتلة والمجرمين في الكيان حتى ولو بعد حين.

فلو قبلت دولة الاحتلال بما أعطتها منظمة التحرير لكان حال المنطقة غير ما تعيشه الآن،
فالتجمع اليهودي في فلسطين اعتمد على فكرة “أرض السمن والعسل”
وليس أرض الموت والصواريخ والخوف والرعب،
ومن هنا وجدنا الهجرة المعاكسة تتم بأعداد غير مسبوقة في دولة الكيان.


الحكم

في المقابل يقدم لنا الكاتب رؤيته لواقع الحرب،
فيخرج لنا بحكم تصلح للكثير من الشعوب والأمم، منها:

“إن ذروة فن الحرب هي إنزال الهزيمة بالعدو دون قتال إذا أمكن.” – ص52
“إن الحكمة كانت أهم أضعافا مضاعفة من الشجاعة في حسم تلك الحروب،
وأن الفكر المبدع الخلاق كان أفضل وأجدى في إحراز الانتصارات الكبرى
من السيف البتار والساعد المفتول.” – ص79
“حب السلطان مصيبة، وحب العدوان أيضا مصيبة أخرى،
ولكن حب السلطان إذا ما أقرن بحب العدوان، فتلك مصيبة المصائب أو المصيبة الكبرى والقصوى.” – ص151

يمكن تطبيق هذه الحكمة تماما على نتنياهو وحكومته المجرمة.

“نتعلم من التاريخ أن الحرب تولد حربا.” – ص159

وعن عقم وفشل محاصرة العدو من كافة الجهات، يقول الكاتب:

“فإن الوسيلة والبديلة الأفضل والأسرع والأضمن والأسلم
التي تلبي حاجتك وتحقق غايتك بأقل الخسائر والأضرار والتكاليف
هي أن تترك له خطا للتراجع ومنفذا للخروج وبابا للانسحاب.” – ص164

وهذا أيضا ينطبق على سلوك العدو في عدوانه على غزة،
فهو لا يترك أي مساحة للفلسطيني للتراجع،
وما الصمود والاستبسال في القتال – رغم هول التضحيات –
إلا تأكيد على أن هناك ضحية تدافع عن نفسها حتى آخر رمق.


الكتاب: التاريخ فكرا استراتيجيا
المؤلف: باسيل ليد هرت
التعريب: حازم طالب مشتاق
الناشر: دار واسط للنشر والتوزيع – بغداد – العراق
الطبعة الأولى: 1988

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *