الخادمة المخلصة للكاتب أمين الساطي

 

بعد إجراء عملية جراحية لاستبدال مفصل ركبتها، أصبحت حركة الست ناديا محدودة نسبيًا. فما كان من زوجها المهندس المتقاعد إلا الاتصال بمكتب لاستقدام العمالة المنزلية من إثيوبيا. بعد ثلاثة أسابيع، وصلت خادمة إثيوبية تُدعى شيكا، في العشرينيات، طويلة ذات جسم متناسق، لها شفتان صغيرتان وعينان سوداوان كبيرتان، وشعر أسود طويل، يضفي عليها مسحة من الجمال الإفريقي.

في الأيام الأولى بدت شيكا مثالية، رغم لغتها الإنجليزية المكسرة؛ هادئة، لا تتعب من العمل، ولا تتململ، وكل همها الاحتفاظ بعملها لإرسال الراتب إلى أسرتها الفقيرة في إثيوبيا. كانت الست ناديا تقول عنها: “إنها مثل السحر”، ولم تكن تعرف مدى صحة هذا القول.

في كل ليلة، عندما ينام الزوجان، كانت شيكا تمشي حافية في أرجاء البيت، وهمست بكلمات غريبة، حاملةً صحناً صغيراً فيه نبتة تحترق، تشبه البخور، لتكون قربانًا تتقرب به من الجن. جلبت هذه النبتة من قريتها، مرددة بعض التعاويذ بالسومرية لساعات طويلة، طالبة من الجن المساعدة، ما جعل الهواء يتحرك منحنياً حولها. ومع مرور الليالي، لاحظت وميض نور خافت أصفر، وكأنه شيء غير مرئي يدخل جدران المنزل.

لاحظت الست ناديا رائحة غريبة تشبه الصمغ والخشب المحروق، لكنها فسرتها بأنها من كولونيا رخيصة أو رائحة جسد شيكا. وفي إحدى المرات، لمحت طيفًا أصفر على يسارها، فالتفتت فلم تجد له أثرًا.

مع الأيام، شعر الزوجان بتغيرات داخلية، وتدهورت صحة الست ناديا، بينما انتاب زوجها رغبة جنسية قوية تجاه شيكا، التي أدركت نظراته المباشرة طوال اليوم، وفهمت أن الأمور تسير وفق خطتها. كانت أحلامها تتصور حياة مستقبلية في بيروت بعد موت الست ناديا، لتصبح سيدة المنزل، شرط استمرار تقديم القرابين للجن.

مع مرور الوقت، سيطر الحزن والاكتئاب على المنزل، وأصبح خاضعًا لإرادة شيكا. المرايا تتغشاها طبقة رقيقة من الغبار، ما يضطر شيكا لمسحها عدة مرات يوميًا. في كل ليلة عند الساعة الثانية عشرة، تسمع شيكا همسات خافتة بالسومرية تصدر من الجدران، فتجيبها: “المهمة لم تنته بعد”.

في أحد الأيام، شعرت الست ناديا بدوخة وتشويش الرؤية، فطلبت سيارة إسعاف لنقلها إلى مركز كليمنصو الطبي، ظنًا منها أن شيكا سمّتها. بقيت شيكا جالسة، متوقعة أن يعود الزوج ليجد زوجته قد فارقت الحياة. لكن الطبيب أنقذ الست ناديا، وأشارت التحاليل إلى أن سبب الهبوط كان وجود مادة في الأدوية الخافضة للضغط، ليست بفعل شيكا.

بعد ثلاثة أيام، عادت الست ناديا إلى منزلها، وبدأت تفكر في كيفية وصول الدواء إلى معدتها، لكنها لم تجد إجابة واضحة. وبعد يومين، اتصلت بمكتب استقدام العمالة الإثيوبية لإبلاغهم أنها لن تستطيع دفع راتب شيكا، فوافق المكتب على العودة بدون اعتراض، مبدياً رضاه لتعيين شيكا في منزل آخر.

بعد أقل من ثلاثة أيام، غادرت شيكا المنزل، متوجهة لبيت جديد، ولم يحاول الزوج التدخل، إحساسًا منه بالمسؤولية.

بعد أسبوع، جاء أخوها ليطمئن عليها، وسأل: “هل يعيش زوج شيكا معكم في البيت؟”، فأجابتها: “شيكا غير متزوجة، وقد طُردت من المنزل، ولا يوجد رجل أسود هنا”. فسألها: “كيف خطر على بالك هذا السؤال؟”، فقالت: “رأيت منذ قليل رجلاً أسود يقف في نافذة غرفة نومك المطلة على الشارع وأنا قادم إلى هنا”.

الكاتب أمين الساطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *