خلال السرد الروائي للأحداث والسلوكيات والتحولات، يلجأ الروائي إلى أسلوب الراوي العليم عبر ضمير “هو”، وهو توصيف للفعل والظاهرة والمكان الظاهرية المرئية، حيث يتابعها الروائي للتوصيف والتعريف، حتى للحوارات بين الشخصيات المختلفة خلال الحبطة الروائية.
وهذا الأسلوب هو السائد الأعم الأغلب، وبذلك فالراوي هو الوسيط الناقل بين الحدث والشخصية وبين المتلقي، لتمكينه من متابعة أحداث الرواية.
وأحيانًا يتحث الراوي بضمير “الأنا” العارف بذاته والمتحكم في الحدث، وينقل للمتلقي لتكتمل عنده الصورة وتحولات الأحداث. وهنا يتحكم “الأنا” في إظهار أو إضمار ما يريد للمتلقي/القارئ.
في عصر العولمة والمعلوماتية، المتفقة مع خزين الإنسان، يكون لديه فيض معرفي كبير، وفر على الروائي اختزال وإضمار الكثير من المعلومات التي استبطنها المتلقي، فلا داعي لإعادة سردها.
هذا العصر امتاز بـ كراهية شديدة للتلقين والقوامة والحديث والتحليل والتركيب من قبل عنصر خارجي، عن طريق ما اصطلح عليه في عالم السرد بـ “الراوي كلي العلم”، الذي يملي على المتلقي الإحساسات الداخلية (المنولوج الداخلي) لشخصيات الرواية الرئيسة والثانوية، وينقلها إلى القارئ والمتلقي، بناءً على رؤاه الشخصية المستبطنة من سير أحداث الرواية ودور الروائي للوصول إلى مسارات الرواية كما يريد، متجاهلاً تمامًا ما يختمر في مخيلة وحدس واستنتاج القارئ عبر مسارات السرد للانفعالات الداخلية والتنبوء بسلوكياتها والعوامل الدافعة أو المعيقة لسلوك معين أو لردة فعل محددة.
قد تختلف تمام الاختلاف مع ما يذهب إليه وما يمليه الراوي كلي العلم على المتلقي، فتتأذى الرواية بمسارات تختلف عما يريد رسمها الروائي لتلقينها للمتلقي.
نرى أن هذه إحدى الميزات المهمة التي تتصف بها الرواية القصيرة جدًا، حيث لا يطيل الروائي في تفعيل الراوي كلي العلم في كشف بواطن الشخصية وحوارها مع الذات، وبذلك يشرك المتلقي ويترك لها مساحة من الحرية في حياكة الأحداث وتطوراتها.
فينسج المؤلف الثاني نصًا ثانياً موازياً في مخيلته، قد تنسجم وقد تختلف مع ما حاكه النساج الأول أو المؤلف الأول، حتى في استخدام ألوان خيوط السرد وصور نسيجه النهائي.
الأديب والكاتب والصحفي حميد الحريزي