اللطيم
بقلم: الأديبة التونسية حبيبة المحرزي
لم أكن لطيماً ولا يتيماً، بل أكثر من ذاك كله.
اللغة بيّنت عجزها، وكشفت أنها أهملت حالة صارت اليوم ممكنة جدًا.
لم أكن مستعجلاً، كنت في أمنٍ وسلام، كنت في أفضل حال، لا يرعبني قرٌّ ولا حرٌّ ولا إهمال.
هي التي كانت تنتظر أن ترى وجهي، تتصوّره كل حين. تنابزت مع والدي فقالت له:
ـ «أتمنّى أن يكون جميلاً مثلنا… أتمنى أن يشبه أخي آدم، أشقر الشعر أزرق العينين».
فيردّ عليها غاضبًا:
ـ «ماذا تعنين؟ ماذا تقصدين؟ تعيّريننا ببشرتنا القمحية وعيوننا السود؟ تلك صفات الرجال الأشداء».
تبتسم ولا تجيبه. كانت تعلم أنه في سرّه يتمنى أن أكون شبيهًا بها، لأنها جميلة جدًا.
الخلاف الثاني الذي دبّ بينهما كان حول اسمي؛ هي تريد أن تسمّيني على اسم أخيها الشهيد فادي، وهو يرغب في إطلاق اسم جدّه شداد الذي اختفى سنة 1948، ولا أحد يدري أين هو.
قالت له:
ـ «لا تكن أنانيًا، أريد أن يذكر اسم أخي ويظل على لساني طول العمر».
لم يجبها، وفي نفسه أضمر أنه هو من سيسجّلني في دفاتر الحالة المدنية، وسيسمّيني على اسم جدّه كي يبقى اسمه حيًا بينهم.
كانت تتمنى أن أتمّ تسعة أشهر يومًا بيوم، كي لا تضطرّ لتركِي في الحاضنة التي يوضع فيها الخدّج ليُتمّوا أيامهم المتبقية.
حسبت حسابًا لكل طارئ؛ فهذا حملها الأول الذي انتظرته سبع سنوات.
منذ الشهر الأول بدأت بصنع معاطف من الصوف، وأغطية مزركشة، وجوارب من “التريكو”.
ومنذ بشّرتها الطبيبة بأنها حامل، وهي تعدّ أصابعها وتقول لأبي بعد أن تخفض صوت التلفاز:
ـ «الولادة ستكون في شهر ديسمبر، سيكون البرد شديدًا، لا بد أن نشتري سخانًا كهربائيًا، سخان الغاز خطير، سيؤذيه».
يهزّ رأسه موافقًا.
كدّست الحفّاظات والمطهّرات والقماطات.
قالت لها أمّها: «لا بد من تقميط مولود الشتاء كي لا يلسعه البرد».
كانت أمي تخشى العين والحسد. فكّرت في إقناع والدي أن يشيع بين الأهل والأصدقاء أنها حامل ببنت، لكنها لم تتجرأ على هذا الطلب، فهي تعرف أنه صادق ولا يكذب أبدًا.
وقد يكون قد أعلم الجميع بأنه ينتظر خليفة جدّه يوم اشترى خروفًا أقرن وربطه في الحديقة الخلفية ليذبحه يوم تعود بي أمي إلى الدار.
وليس غريبًا أن يكون قد بدأ في استدعاء أصدقائه وأصهاره للوليمة.
دمدمت الراجفات، ودوّت القنابل، وسقطت الأسقف وتناثرت الشظايا.
شعرت بضغطٍ شديد، ولم أعد أستطيع التحرّك، وبدأت أشعر بالاختناق.
تكورت على نفسي مستجيرًا بأمي.
فجأة انتزعتني يدٌ من مكاني الدافئ، لسعني بردٌ مباغت، وضوضاء وهرج ومرج وصراخ وعواء.
كان المسعف يجري بي بعد أن لفّني في سترته، وظل بلباسه الداخلي فقط، دسّني تحتها، والتصقتُ بصدره.
لا أدري كم ظللنا في الطريق، ولا أذكر إن كنا في سيارة تهتزّ أو أنه كان يجري بي بين الركام والأحجار.
سمعت الطبيب يسأله وهو يضعني على الطاولة ويده تمسح وجهي وشعري من الشوائب والأتربة التي علقت بي بقطعة من القماش الأخضر:
ـ «هذا وُلد الآن؟»
ـ «نعم».
ـ «وأين أمه؟»
ـ «ماتت تحت الركام».
كنت أبكي والطبيب يفحصني بدقة، وحولي صغارٌ يرتعدون ويبكون، وآخرون لفّوا في أكفان بيضاء.
هالني عددها! من أين جاؤوا بها؟ كيف حصلوا على هذه الأكفان ولم يحصلوا على الخبز؟
أمي ماتت جائعة.
يقال إن بلدانًا عربية شقيقة تكفّلت بإرسال أكفان توازي عدد سكان غزّة!
تساءلت في سرّي:
«هل كنتُ ضمن المحسوبين المعنيّين بالأكفان؟ أم أن كرم الأشقاء العرب يفوت الحدّ فيحسبون الحساب بالفائض، كي لا يُدفن أحدٌ دون كفن؟»
ثم سأله الطبيب باستغراب:
ـ «ولدته ثم ماتت؟»
ـ «لا… ماتت ثم…».
ـ «ثم ماذا؟»
ـ «رأيتُ الجنين يتحرّك في بطنها المضغوط بالأحجار وقضبان الحديد، فتشجّعت واستخرجته ومعي طبيبة الإسعاف».
بكى الطبيب. رفعني إليه فسكنت.
لكني لم أصدّقه.
ثم قال:
ـ «أغرب حالة ولادة سمعت عنها في حياتي، وأبوه أين هو؟»
ـ «استشهد هو أيضًا برصاص قنّاص عندما كان يحاول إنقاذ زوجته».
ـ «سأتَبناه، سيكون ابني».
دُكّ المستشفى، وعاشت غزّة.
الرسائل المخفية عبر بساطة السردية
وكما بدأت من النهاية في عدة دراساتٍ لي لنصوصٍ سابقة – أحدثها نص للأديبة التونسية فتحية دبش – أبدأ أيضًا دراستي لهذا النص.
«دُكّ المستشفى وعاشت غزة»
جملة خطابية عاطفية صرفة، ليس لها محل في هذا النص المؤثر حد البكاء؛
فالنص انتهى فعليًا كفكرة وحبكة ومعالجة وخاتمة أولية لو توقفت القاصة عندها لكفت، وخاتمة تالية لا بأس في إضافتها.
-
الخاتمة الأولى:
«استشهد هو أيضًا برصاص قنّاص عندما كان يحاول إنقاذ زوجته.» -
الخاتمة الثانية:
«سأتَبناه، سيكون ابني.»
النص استعراضٌ شيّق وجاذب ينتمي إلى المدرسة الغرائبية الحديثة، إذ أوكلت القاصة مهمة السرد لجنينٍ حيٍّ في رحم أمه، يصف لنا مراحل نموّه من بدء الحمل لاكتمال المخاض القسري، منصتًا كجنين بين ظلمات ثلاث لما يدور من أحاديث طرفاها الأم والأب.
تضمّن النص مفاتيح مهمّة تجلّت في إشاراتٍ سيميائية مثل:
الأخ الشهيد، الجدّ المختفي عام 1948 (عام النكبة)، لتنتقل القاصة بعدها إلى هدفها الأسمى من السردية، وهو مأساة غزة الآنية، وما يحدث فيها من مجازر وإبادة جماعية، بأسلوبٍ يقطر مرارة وسخرية، تشير فيه الكاتبة بأصبع الاتهام إلى العرب أبناء جلدتنا:
«يقال إن بلدانًا عربية شقيقة تكفّلت بإرسال أكفان توازي عدد سكان غزّة… يا لهم من كرماء! يرسلون أكفانًا بدلاً من طعام ودواء ومناصرة لمن يقاومون، والجوع يقتلهم قبل رصاص أعدائهم!»
نعم، ليس لطيماً ولا لقيطًا، وإنما نحن اليتامى، ونحن المتخاذلون الخانعون.
وغدُنا قادمٌ لا محالة، كما قيل في المثل:
«أُكِلنا يوم أُكِل الثور الأبيض.»
فهل من منصت؟
نصٌّ سرديٌّ حدّ الوجع، حدّ البكاء، حدّ الطعن الساخر الذي يميت أيضًا!
استعراضٌ رشيق لعاداتٍ وتقاليد جرى تدوينها عرضًا في سياق النص، فأضفت حميمية خاصة رغم حدّة الحدث وجديّته، فما بين التنابزات والاختلافات المتوارثة جيلًا بعد جيل، وبين القماطة والكفن، رحلة حياةٍ وموتٍ تلازما فيها تلازمًا أبديًا، طالت أم قصرت الرحلة.
الخطاب السردي هنا رسالةٌ وصرخةٌ زاعقة في وجوهنا كأمةٍ صارت كغثاء السيل.
ملاحظات ختامية:
ظهر في النص الأصلي سوء تنسيقٍ واضح، خاصة في الاستخدام المفرط وغير الموفّق للنقطة (.)، وكذلك الغياب شبه التام للفاصلة (،)، وهو ما أثّر على انسيابية القراءة رغم قوة المحتوى.
الأديب محمد البنا