يمكن تعريف “السحر”، بأنه تَـغـيـيـر حـالـة شـيء مـا، أو حـالـة شـخـص مـا دون خَـرقٍ لـقـوانـيـن الـفـيـزيـاء.
ويعـتـقـد البـعـض أنـه قد يمكن لفـعلِ “السحر” خرقَ قوانين الطبيعة الفيزيائية في بعض الحالات، إنما في الواقع، هناك إلتباسٌ وخَلطٌ بين “السحر” وبين كلٍّ من “خِفَّة اليد والشَعوَذة”، لأن كلمة “السحر” تُستعملُ كوصفٍ لجميع هـٰذه المصطلحات رغم اختلافها عن بعضها البعض.
وقد حاول العديد من الفلاسفة وعلماء الإنثروبولوجيا والمؤرخين، وحتىٰ علماء (الكهنوت القَبّالي) الذين توارثوا ماتَـعلّمـوه من سحر (هـاروت ومـاروت) أيام سَبي بني إسرائيل في (بـابـل نبوخذنصّر) وطوال القرون الماضية أن يتوصلوا إلىٰ ماتعنيه كلمة “السحر”، لكن جهودهم لم تسفر إلّا عن تضييع معناها الكُلّيّ.
ولهذا السبب فإن عدداً كبيراً ممن يدرسون ممارسة “السحر” سواء في الماضي أو في الحاضر يستنكفون عن تقديم تعريف أو وَصفٍ مُفَصَّلٍ له، مفترضين أن المُتلَقي يفهم أن “السحر” يتعلق بتَحَكُّم البشر في القوىٰ الخارقة للطبيعة.
وبعيداً عن الوسط الأكاديمي، فإن “السحر” لا يزال يغزو الخيال واللغة الشعبيين، ولا يشعر الناس بأي غضاضة إزاء تَـعدّد معـانـيـه، متجاهلين ما أثاره ويثيره تعريف “السحر” من جَدلٍ ونِزاعٍ ونقاش علىٰ مدىٰ القرون الممتدة منذ 586 ق.م الذي كان تاريخ سبي بني إسرائيل إلىٰ (بـابـل نبوخذنصّر)، أي أكثر من ألفين وخمسمـائـة عاماً.
وفي الاستخدام الشائع اليوم، تَرِدُ كلمة “السحر” في الإشارة إلىٰ كل خارق للطبيعة أو للخرافة والوهم، وكذٰلك في وصف الاحتيال والقدرات غير الطبيعية أو الخيال، باعتبار أن كلمة “سحر” باتت لفظاً شاملاً وجامعاً، كاستخدام مصطلح “سحر البيان” في الأدب مثلاً، لأن هناك أنواعاً من الجنس الأدبي تحمل صفة “الواقعية السحرية” التي هي مَحطّ إعجاب الكثيرين.
كما أن العلماء المعاصرين قاموا بإدخال كلمة “السحر” إلىٰ قاموس مفرداتهم للدلالة علىٰ نتاجاتهم واكتشافاتهم واستخدام مصطلحات مثل:
“الحمض السحري والزاوية السحرية” وغيرها منذ عصر التنوير الأوروبي.
ويُنظر إلىٰ “السحر” عادةً بوصفه دلالة علىٰ البدائية وعلىٰ المرحلة المبكرة من التطوّر البشري الغارقة في ظلام الجهل. ولا يزال الكثيرون في عالمنا المعاصر المعولم اليوم يَلجَأون إلى “السحر”، كما مازالوا يتوجسون منه ويخشونه أيضاً، لأن كلمة “السحر” المُغلَّفة بغلاف ديني تقدّم تفسيرات ومبررات مريحة نوعاً ما لمن يعيشون في الفقر ويفتقرون إلىٰ البدائل الواقعية والمنطقية الأخرىٰ.
حتىٰ أن ممارسة السحر باتت (ديانة جديدة) في حدِّ ذاتها، لها أتباعها وطقوسها وقوانينها الخاصة كعبادة (الشيطان) مثلاً.
وبهـٰذا يكون كل تعريف للسحر هو نتاج عصره، لأن الكلمات والمفاهيم تحمل من المعاني متعددة التي تُغيِّر المعنىٰ المتداوَل اعتماداً علىٰ التطوّر الاجتماعي والثقافي والديني والفكري للمجتمع الذي يمارسه ويستخدمه. كما يمكن أن يُقدِّم “السحر” وسيلةً لاستكشاف العلاقات في المجتمعات التي تعتمده.
أصل كلمة “سحر”
وبالعودة إلىٰ أصل كلمة “سحر” فهي مستمدة من الكلمة اليونانية “ماجيا ـ Magia” التي كانوا يستخدمونها في الإشارة إلىٰ المراسم والطقوس التي يؤديها “الماجو أو الماجوي” أي المَجوس الذين هم كَهَنةٌ سَحَرةٌ من الشرق، من “كلدو أو الكلدان” حين كانت مملكة بابلية جنوب العراق الحالي، أو فارس، التي هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم، وأصل كلمة (المجوس) هو من الكلمة الفارسية “ماكوز”.
وكانت لفظة “ماجيا ـ Magia” عند الإغريق في ذلك الوقت كلمة أجنبية، وكانت لديهم مفردات أخرىٰ في وصف السحر، حيث كانت كلمة (نيكومانتيشا ـ Nicomatchia) التي تعني (استحضار الأرواح) أو التواصل مع الموتىٰ لأغراض تَنَبُّئِيَّةٍ. وكذلك كلمة “فارماكا ـ Pharmaca” التي تُستخدم للتعاويذ ولتحضير العقاقير وسموم المشعوذين والساحرات، ولفظة (جويتس) وتعني المشعوذين الخبراء في الخداع وابتداع التعاويذ.
ولم يكن هناك تخصيص مباشر لألفاظ محددة في التعبير عن كل حِرفةٍ من حِرف “السحر أو الشعوذة” لدى الإغريق القدماء، والملاحَظ في بعض المصادر أن كلمة (ماجيا ـ Magia) كانت تُستخدم بالتبادل مع كلمتَي (جويتيا و فارماكا) للدلالة على ممارسة الشعوذة، رغم أن كلمة (فارماكا – Pharmaca) تعني (تحضير العقاقير والأدوية).
ولم تكن كلمة (ماجيا – Magia) في القرن الخامس قبل الميلاد لفظةً شاملة أو جامعة للتعبير عن الممارسات السحرية كما كانت في العصر الروماني، لأن معظم المعروف عن (الماجوي) إنما هو مستمد من المصادر الإغريقية في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد التي كانت تُتخَذُ في المواقف العدائية من الطابع الديني الغريب الذي يتسترون به، وقد وصفهم (سوفوكليس) بالكهنة المتسوّلين والمحتالين، بينما يشير مصدر آخر إلىٰ “خدع الماجوي”.
كما تصفهم المصادر بأنهم كانوا مُتَجرِّدين من أي شعور إنساني ويشرفون بأنفسهم علىٰ تقديم الأضحيات من البشر والحيوانات علىٰ حَدٍّ سواء، ويُشيعون بأنهم يسيطرون علىٰ أرواح الموتى، والقدرة علىٰ شفاء المرضى.
ووفقاً لما ذكره (هيرودوت) مُؤرِّخ القرن الخامس قبل الميلاد، فإنهم كانوا يُشرفون علىٰ طقوس إراقة دماء الضحايا والأضحيات ويُفسِّرون الأحلام، وأنهم يتحكّمون بكسوف الشمس وكانوا يُردِّدون الترانيم والتعاويذ للآلهة كل وقت من شروق الشمس، وتختلف ممارساتهم عن ممارسات رجال الكهنوت الإغريق.
ففي حين كان “الماجوي” مثلاً يُمارس طقس إراقة الحليب، فإن الإغريق لم يمارسوا هذا الطقس، وكان “الماجوي” يَتلون ترانيمَهم الخاصة ويمارسون طقوسهم بالهمس أو كانوا يتغنَّوْن بها بصوتٍ منخفض، وهذه ممارسة مشبوهة. وكان من المعتقد أنهم يمارسون سِفاح المَحارِم كسلوكٍ عادي.
الزرادشتية والمَجوس
وحين كانت “الزرادشتية” الديانة الرئيسية لبلاد فارس في القرن الخامس قبل الميلاد، وكان (زرادشت) نبيّهم الأسطوريّ يبشّر بالسلطة الإلـٰهية للكيان الأسمىٰ “أهورا مازدا” كمَصدرٍ لكل الخير الذي سينتصر في نهاية المطاف علىٰ قوىٰ الفوضىٰ والشرّ والتي هي (آسياه) العمود الرابع من الأعمدة الأربعة (اتزيلوث “الانبثاق” وهابرياه “العقل” ويتزيراه “التكوين” وآسياه “الفوضىٰ”) في فكر (القَبَّالَة اليهودية) في العالم.
وكانت المراجع الإغريقية الأولىٰ تربط ربطاً مباشراً بين (زرادشت والماجوي)، وصار ذلك الربط حقيقةً واقعةً مع حلول القرن الرابع الميلادي. فقد كان الزرادشتيون يوصَفون بأنهم (المَجوس) عَبَدةُ النار، لكنهم في الواقع لم يكونوا يعبدون “النار” في حدِّ ذاتها، وإنما كانوا يعتبرون أنها تُمثّل حكمة “أهورا مازدا” المأخوذة عن الفكرة اليهودية في (التلمود) والتي تتحدث عن (لوسيفر) أي “الشيطان” المخلوق من – النار رمز التَطَهّر والنور – والجدير بعبادته رَبّاً خالداً لايموت.
وإذا صحَّت الأقوال الإغريقية التي تَصِفُ الكهنة بأنهم مُتَجوِّلون أو مُتَسوِّلون، فإن هـٰذا شاهد علىٰ أن “الماجوي – المجوس” الفرس القدماء كانوا قد شَدّوا الرِحال نحو الغرب كي ينشروا عقيدتهم أو ممارساتهم وطقوس ديانتهم الزارادشتية.
ولا شك أن انتشارهم هذا يرتبط تماماً بغزوات الملك الفارسي (خشایارشا) في ثمانينيات القرن الخامس ق.م علىٰ الأراضي اليونانية، وبأنهم المسؤولون عن نقل “السحر” إلىٰ بلاد الإغريق (اليونان القديمة).
كما انتشرت في العالم الروماني الشائعات التي تُرَوِّج بأن بعضاً من كبار المفكرين الإغريق قد رحلوا شرقاً نحو بلاد الفرس كي يأخذوا فنون “السحر” عن (الماجوي – المجوس) هناك.
السحر في العهد الروماني
وخلال العهد الروماني، اتسع نطاق تعريف “الماجيا Magia”، ولم يَعدْ اللفظُ يشير إلى أنشطة الكهنة الأجانب أو إلى عقيدةٍ غريبةٍ أو غامضة. وكان أول مظاهر هـٰذا التَحوّل في كتابات العالم الروماني المناصر للمذهب الطبيعي (بيلينيوس الأكبر 23 – 79م)، الذي تناول في موسوعته (التاريخ الطبيعي) مجموعةً كبيرةً من المعتقدات والممارسات التي سمَّاها “الأباطيل السحرية” وأنكر فعاليتها مُكرِّراً نَسْبَ أصولها إلىٰ الفرس.
وفي الوقت الذي كان (بيلينيوس) يكتب فيه موسوعة “التاريخ الطبيعي” ظهرت أولىٰ نصوص العهد الجديد من الكتاب المُقَدَّس “الإنجيل المسيحي” ومعها روايةٌ تحكي كيف اتّبَـعَ “المجوس” نجماً من الشرق وهم يحملون الهدايا إلىٰ المُخَلِّص (يسوع) السيد “المسيح ـ المِسيّا” عليه السلام وهو رضيع، وصارت الطريقة التي أوَّلَ بها آباء الكنيسة المسيحية قصة المجوسيين الثلاثة جزءاً من عمليةٍ شاملةٍ حاولت الكنيسة من خلالها استئصال فكرة “السحر” من كتاب “إنجيل العهد الجديد”، فتَمَّ الفصل الجذري بين “السحر” وبين الدين، أي بين الأسطورة والخرافة وبين العقل “هابرياه”.
وكانت فكرة “السحر والتنجيم” تقود مفاهيم (المجوس) وطقوسهم إلىٰ مصير إنكار عبادة النار.
وقد تساءل الفيلسوف “ترتليانوس القرطاجي” 160م–220م:
“هل كانت ديانة المجوس تشكِّل ظَهيراً يستند إليه المُنَجِّمون أيضاً؟!..”
لتكون الإجابة “لا”..
لأنه وكما فَسَّر هو وغيره من آباء الكنيسة: “أن أي قوىً شيطانية أو خرافية تمتع بها المجوس قد تبدَّدت بفعل النجم اللامع والغاية المُقدَّسَة لرحلتهم التي كانت غايتها تقديم الهدايا للسيد ‘المسيح’ عليه السلام.”
المجوس في السياق المسيحي
وقد تقبَّل (أوريجانوس) المعاصر للفيلسوف القرطاجي (ترتليانوس) حقيقة أن “المجوس” كانوا مُنجِّمين بالفعل، لكنه كان مقتنعاً بأن ما قادهم إلىٰ الطفل (المسيح) عليه السلام في رحلتهم لم يكن هو العلم الزائف، وإنما كان تفسيرهم للنبوءة التي تنبأ بها نَبيُّ العهد القديم الوثني (بلعام) حين قال بأن نَجماً سيخرج من (آل يعقوب) الذين ينحدر منهم (يسوع المسيح) عليه السلام.
ورغم ذلك فقد أُعيد تعديل وصف المجوس الثلاثة الذين انقطعت صلتهم بالسحر إلىٰ أنهم “ملوك الحكمة من المشرق” وكانوا من العارفين بولادة المُخَلِّص “المسيّا” السيد “المسيح” عليه السلام ومجيئه، وصاروا رموزاً مهمة في الأيقونات والأساطير المسيحية.
تطور مفاهيم السحر
وعلىٰ مدار القرون التي تَلَتْ ذلك، تَمَّ تعديل تعريفات “السحر” حين ظهرت فئات جديدة من المفاهيم التي سعىٰ من خلالها رجال الديانتين المسيحية والمُحَمَّدية إلىٰ فَهمِ الجوانب المختلفة من السحر فَهماً عقلانياً أفضل، بدلاً من رفضها لأن “السحر” لم يكن مجموعةً واحدةـ من الممارسات، وإنما كان صنوفاً تغطي حقيقةَ الإدراك الديني والعلمي.
وظهر في القرون الوسطىٰ مصطلح “السحر الطبيعي” كوسيلة للتمييز بين (السحر الجيد) وبين (السحر السيئ)، أو بين مايسمىٰ (السحر الشرعي) وبين (السحر غير الشرعي).
لأن السحر الطبيعي إنما هو عجائب وأسرار العالم الذي خلقه اللـٰه تعالىٰ ولم يكن مثل أباطيل الثقافات أو الديانات الموضوعة الأخرىٰ، وإنما كان مفتاحاً في استكشاف الخصائص الخفية للحياة المادية.
وعندما حاول علماء الاجتماع في القرن التاسع عشر فَهمَ الممارسات السحرية في ثقافات الماضي والحاضر، عملوا علىٰ تصنيف “السحر” كخصائصَ كونيةٍ في مصطلح “السحر المتجانس” للوصول إلىٰ العلاقات الغامضة أو المستترة بين أشياءَ ترتبطُ ببعضها و تَجمعُها أَوْجهُ تَشابُهٍ ظاهرية.
وبهـٰذا بات للسحر أساسه المنطقي حتىٰ وإن كان زائفاً.
لـٰكن قوة السحر كأداة بلاغية بقيت طاغية، وظَلَّ تعريف ممارسة السحر من منظور مزاعم الخداع الغريبة للسَحَرَةِ وللكَهنةِ الأجانب تحديداً.
د.علي أحمد جديد