تجسيد لفكرة الصراع بين نقيضين: الموت والحياة
الشعر الجيد يريح النفس، يهدئها، يخفف عنها ألمها، ويمنحها طاقة لمواصلة الحياة،
فالشعر أحد عناصر الفرح التي نلجأ إليها وقت الألم/ القسوة/ الشدة،
كحال المرأة، والطبيعة، والتمرد الذي نفعله لنتخلص من الأدران التي علقت بنا.

العنوان
ديوان «اخلع سماءك وانتظرني» للشاعر سميح محسن نجد فيه لمسة من الكتاب المقدس:
«إلبس رداءك واتبعني».
نلاحظ صيغة الأمر المتماثلة بين العنوان وما جاء في العهد الجديد.
فالجزء الأول من الديوان: «رسائل غامضة الوضوح»
مرتبط بعاطفة الشاعر ومشاعره؛ قصائد مترعة بـ العاطفة، الألم، الحب، العذاب،
فجاءت القصائد ناعمة رغم ما فيها من القسوة…
وهذا يتماثل مع روح العهد الجديد.
أما الجزء الثاني: «دلو من الضوء»
فهو متعلق بماضي الشاعر، حيث نرى الشيوعي القديم، الثابت على الحق،
الشيوعي الذي يرى نفسه في السيّاب، وفي ناظم حكمت،
وفي بابلو نيرودا، وبول إيلوار، ولوركا…
ويجد نفسه في عدن عاصمة الاشتراكيين العرب، وفي سلفيت قلعة فلسطين الحمراء.
من هنا نلمس شيئًا من الصخب والعنف في الديوان،
ونلمس الهموم العامة؛ فالقصائد هنا أقرب إلى الواقعية.
الطرح السياسي حرف قليلًا من الجمالية، فجعل الجزء الثاني متماثلًا مع روح العهد القديم بما فيه من تاريخ وأمكنة.
ويشار إلى أن هذه المجموعة الشعرية هي الحادية عشرة للشاعر،
صمّم غلافها الفنان شربل إلياس،
وكتب القاص والروائي الفلسطيني الكبير محمود شقير تظهيرها على الغلاف الأخير.
لغة الشاعر
يكاد يكون الجزء الأول من الديوان قصيدة واحدة ممتدة،
إذ يستعمل الشاعر قاموسًا لغويًا محددًا يعود إليه مرارًا.
وفي قصيدة «على إيقاعها… سأبني خيام انتظارك» نجد نموذجًا واضحًا لهذه اللغة:
**
“وكنتُ
خَرَجتُ
أفَتّشُ في التّيهِ عَنْ غَيْمَةٍ أستَظلُّ بِها
أحتَمي مِنْ تَصَحّرِ روحي
وأبحثُ في مَدْرَجِ الغيبِ
عَنْ خَيطِ ضَوءٍ
لِيُخرجَ قَلبي مِنَ الموتِ،”
**
الألفاظ: الغيمة، تصحّر، روحي، الضوء تتكرر في الديوان.
بينما يتكثف ألم الشاعر في كلمات مثل التيه، تصحر.
لكن الصورة الشعرية:
“أفتّش في التّيه عن غيمة أستظل بها
أحتمي من تصحّر روحي”
تخفف القسوة عن القارئ، وتشجعه على مواصلة الاقتراب من وجع الشاعر.
وأفعال الشاعر: أفتّش، أحتمي، أبحث
تمنح القارئ طاقة وإصرارًا على المقاومة،
وهذا يتوّج بجملة:
“ليُخرج قلبي من الموت”.
هنا تتجلى ثنائية الصراع بين:
الموت: التيه، تصحر، الغيب، الموت
و
الحياة: غيمة، أستظل، أحتمي، خيط، ضوء، ليخرج
وهي امتداد لصراع البعل والحياة في الأساطير القديمة،
لكن الشاعر يجعله صراعًا داخليًا بصيغة الـ أنا،
ليمنح القصيدة حرارة أكبر.
أدوات الحياة
الغناء والرقص وكل ما يتعلق بالجمال الأنثوي يشكّل أداة انتصار على الموت:
**
“على جَسَدِ الليلِ تَعْزِفُ أوتارَها
في الطّريقِ إلى خيمَةِ الغَازِياتِ اللواتي
رَقَصنَ على صَوتِ دَفّ عَتيق،
رَحَلنَ،
وصوتُ صَفِيرِ تنانيرهنَّ الغريبةِ ألوانُها
شامةٌ كالقناديلِ تَحْرسُ أصواتَهنّ
بَريقَ خلاخيلهنّ
وتُؤنِسُ روحَ المكان،
وتَبعثُ فيهِ
رياحَ الإياب”
**
النساء وأثرهن البهي يتحولان إلى قوة حياة،
ومن هنا يأتي الختام المضيء:
“تؤنس روح المكان، وتبعث فيه رياح الإياب”
حضور العودة/ الإياب يؤكد أن الموت مؤقت لا مكتمل.
المقطع الصوتي والبصري
وحدة الحواس تتجلى في التعبير:
“بريق خلاخيلهن”
فالبريق يحفّز البصر،
وصوت الخلخال يحفّز السمع،
أما الكلمة نفسها — الثقيلة من ثمانية حروف —
فتجسد الحسّي والمرئي معًا.