الشعبية في رواية خرفيش – محمود عيسى موسى قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري

محمود عيسى موسى يختار عناوين أعماله الروائي بطريقة مثيرة، “الشبمر، حنتش بنتش، خرافيش” وهذا يجذب القارئ، ويجعله يشعر بقرب الرواية وساردها منه، ولا يقتصر الأمر على العنوان، بل نجده في المتن الروائي، فهناك العديد من الألفاظ الشعبية، والأغاني، والحكايات، والأسماء، والأمثال، وآيات قرآنية، بحيث يجد القارئ نفسه أمام لغة يعرفها ويستخدمها، وهذا ما يجعله يندمج مع النص ويتفهم ما فيه.

وإذا عرفنا أن الأدب الشعبي ينموا ويزهر في الأرياف، القرى، نصل إلى نتيجة، إن الرواية تتناول الريف، الطبيعة، من هنا نجد السارد يصف المكان الريفي وما فيه من نباتات بدقة متناهية، بمعنى أننا أمام رواية ريفية، بمكانها وأحداثها وشخوصها.

يفتتح السارد الرواية بهذه اللغة:

“سأمسيك خرفيشة في رحلة العودة إلى خربوشتنا إلى إجزم، إلى البلاد…إلى فلسطين” ص2

نلاحظ بساطة اللغة وعميقها، فمن خلال استخدامه “خربوشتنا” قدمنا من تلك الأماكن التي فقدناها وتركناها خلفنا بعد أن هُجرنا من بلادنا، كما أعادنا إلى زمن لغة البكر، تلك اللغة التي نتحدث بها ببساطة ودون تجميل/ دون تزويق، فجمالها طبيعي، بسيط، وهذا ما يميز الجمال الطبيعي عن الجمال الصناعي الحديث الذي لا نشم فيه أي رائحة، ولا نراه ينمو أو يزهر، فما أن يمضي وقت/ زمن حتى نحتاج إلى لغة جديدة، وهكذا.

يتجاوز السارد الألفاظ الشعبية ويستخدم فقرات/ عبارات تراثية:

“كان يا ما كان… نخرف ولا ننام” ص13

في أكثر من موضع في الرواية، واللافت في هذا الاستخدام أنه قدم/ جعل التراث جزءًا ومكونًا أساسيًا من الرواية الحديثة، بحيث لا يمكن فصلها/ انتزاعها من تراثها، من مكانها من ناسها وأهلها، بمعنى أن الرواية “الخرفيش” الحديثة

ما هي إلا امتداد للحكايات الشعبية التي تعلمها/ سمعها السارد من جدته “أم عيسى” ولها جذور/ أساس، وليست شيء جديد/ حديث يُراد به تقليد ما هو سائد من أدب.

الأغاني

ويقدمنا السارد من أغانينا الشعبية، أغاني الطفولة التي كنا نرددها:

“جلسنا مجتمعين على حجر القب ، نلعب لعبة..
حدراجة بدراجة من كل عين ودراجة
يا خينا يا بينا
لا عيونا بالتفاح اللفاح
يا قلايد يا ملاح
خرزة زرقا قالت طقطق ميه مفش
من تصل كلمة مفش فوق يده يسحبها” ص6و7

نلاحظ أن الأغنية جاءت ضمن سياق أحداث الرواية، بمعنى أن السارد لا (يحشو) الرواية بالأغاني حشوا، بل هي تأتي ضمن الأحداث، وضمن حال/ طبيعة الشخصيات، وهذا ما يجعل المتلقي يتقبلها ويتفهم وجودها، إضافة إلى إيصال قيمتها التراثية، بمعنى أن السارد عرفنا على تراثنا الشعبي (وحافظ) عليه من الضياع/ الفقدان.


الألعاب الشعبية

ويشمل ذلك:

  • “ساحة الألعاب، لعبة (الخريطة)، السبع حجار، الشعب، النقيفة، ساحة البنانير، الدواحل، القلول، الصحو وتوقف المطر، لعبة المور المثلث ولعبة الجورة.

(يا غنماتي ما مع شوا طعميكم ماع ماع)

  • ساحة العتمة، الطميمة (الغميظة)، التخفي” ص9

نلاحظ أن السارد يعود بنا إلى طفولته، لهذا سمى لعبة بثلاثة أسماء “البنانير، الدواحل، القلول” فهذا يشير إلى تنقله إلى أكثر من مكان، ففي فلسطين تسمى البنانير، وفي شمال الأردن الدواحل، وفي وسطة القلول، كما نلاحظ دقته في الحديث عن وقت كل لعبة، فهناك ألعاب نهارية وأخرى ليلية، وألعاب بين المنازل وأخرى في الحارات والمناطق المفتوحة، ورغم تباين التسمية، إلا أن الأغاني جامعة وموحدة لكل هذه المناطق “يا غنماتي ماع ماع” كما أن مضمون وجوهر اللعبة واحد في كل المناطق.


التفاح والرمزية الجنسية

  • “التفاح” متميز، مثير، وذلك لشكله المثير ورائحته الذكية، ولذة طعمه، ومن هنا جاءت أهمية من يبيع “التفاح” فالتفاح جعل السارد يتناوله بمعنى الإغواء/ الشهوة وكسبب في إخراج آدم وحواء من الجنة، ودوره في الخصب/ الفحولة الجنسية.

“إسا أجا وإسا راح
بياع التفاح
إسا كان بحارتنا
بياع التفاح
اشترت منه جارتنا
بياع التفاح
هيك بتمايل هيك بيميل
يا عرق الياسمين
خلقة رب العالمين” ص28و29

  • الأغاني جاءت ضمن سياق الحديث عن نساء الحي، لتأكيد أدبيتنا الشعبية وجذورنا التراثية.


الأمثال والآيات القرآنية

  • أمثال: “أجت الحزينة تفرح ما لاقت لها مطرح” ص28

  • آيات: “الشمس والقمر بحسبان” ص16

يأتي ذكرها ضمن سياق الرواية لتوضيح طبيعة الحدث وطبيعة الشخصيات، مما يزيد من قدرة المتلقي على الفهم والقبول.

الخصب والنماء

  • فكرة الخصب متجذرة في العقل السوري، والسارد يربط بين النباتات والبشر:

“كان اسم القرية طلع، نبت، تكاثر مرة واحدة، كما طلع ونبت نبات الخرفيش في أرضنا… فيها النبات والشجر، فيها الخروب… خبز يوحنا المعمدان، طعام المجاعات، عسل الفقراء، فيها البذور… فيها الحجر، معاصر الزيتون والعنب، فيها الزرع والحصد وجني الثمر، فيها بشر مثل الوعر” ص4

  • تناول طقوس الخصب المرتبطة بعشتار وأرضية الحياة، مثل ولادة “تفيفيحة” بطريقة معجزة.

 

الشعبية في العنوان

  • “الخرفيش” نبات بري له أشواك، لكن لب ساقه لذيذ، طري وناعم، ويعكس الخصوبة والحياة:

“الخرفيش وخزني شوكه المؤلم، أحببته من أول نظرة، لسعته لذيذة، طيب اللب، حلو الوخز” ص43

  • العنوان يرمز أيضًا إلى تجربة الفلسطيني، بين الفرح بالوطن والألم بالهجرة.

 

الفلسطيني والحنين

  • السارد يعكس حالة الطفولة والنضوج الفلسطينية، مع التركيز على المخيمات والذكريات والحنين للأرض:

“فكرت أن نجمع أنا وأولاد المخيم كل كرات تفاح المجن غير الناضجة في السهول وندق أبواب بيوت المخيم الزينكو، نوزعها عليهم بدلا من تفاح الأونروا… عائدون عائدون، سيعبرون السهول والجبال والوديان…” ص7

  • مكان فلسطيني محدد: إربد، المخيم، إجزم، عكا، يافا، القدس، بيسان، مرتبط بالذاكرة والحنين الوطني.

 

آدم والمسيح

  • السارد يستخدم رمزية آدم والمسيح للإشارة إلى الفلسطيني، مثل خروج آدم من الجنة وتهجير الفلسطيني، وولادة تفيفيحة بطريقة معجزة.

  • هذا التناص يجمع بين البعد الإسلامي والمسيحي، مركزًا على مأساة الشعب الفلسطيني.

 

المكان

  • يتناول السارد أكثر من مكان، مرتبط بوجدان اللاجئ الفلسطيني.

  • أي مكان آخر مجرد إقامة مؤقتة، فلسطين هي الوطن الحقيقي:

“البيت بلا وطن كالخيمة الخرقاء، تمزقها العواصف، وتقلعها الرياح” ص65

السرد الروائي

  • غالبية فصول الرواية تخاطب الأنثى:

“يا زريفة، طال انتظاري، سأمسيك يا زريفة خزامي، كي أشم عطرك، سأمسيك توت.. توت العاشقين…”

  • الأنثى مصدر الإلهام والخصوبة، ودورها أساسي في إنجاز الرواية والخروج من المأساة نحو الفرح.

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *