كلّما اقتربتُ من القلم شعرتُ بأن الكلمات تستشعر الخطى قبلي، فتهرب في الجهات الأربع، وتترك ذهني ساحةً تتصادم فيها أفكارٌ لا تستقر.
أمدُّ يدي نحو فكرةٍ لامستني فجأة، فأجدها تتراجع قبل أن ألمسها، كضوءٍ ينسحب من أطراف المدى حين أظنُّ أني بلغته.
أعيدُ المحاولة.
أفتح في ذهني أبوابًا لم أعرفها من قبل، أفتّش في زوايا الذاكرة عمّا يمكن أن يوقظ الخيال، أستدرج فكرةً صغيرة بحنوّ، أحتضنها كي تكبر، لكنها تفلت منّي في اللحظة التي أظنّني أمسكتُ بها… عندها أبدو كمن يطارد ظلًّا يعرف جيدًا كيف يغيّر شكله قبل أن يُمسك به.
وأشبه نفسي أحيانًا بذلك الصيّاد الذي أضاع يومه كلّه منتظرًا حركةً في الخيط.
حين تهتزّ السنّارة فجأة، ينهض بكلّ ما بقي داخله من رجاء، يمشي نحوها وقلبه يسبق خطواته، يتخيّل صيدًا يليق بطول الانتظار، يجرّ الخيط بحرصٍ يشبه الدعاء، وحين تخرج السمكة أخيرًا، يكتشف أنّها لا تشبه ما بنى عليه كلّ ذلك الأمل.
يمسكها… لكنها تنزلق من بين أصابعه، تعود إلى أعماقها، وتتركه واقفًا أمام بحرٍ لا يعطي إلا بقدر ما يأخذ.
يرفع سنّارته على كتفه، يحمل دلوًا خاويًا، ويعود كأن الطريق أطول مما كان قبل ساعات.
وهكذا تفعل الصفحة البيضاء…
تبقى ساكنة، كأنها تختبر صبر الكاتب، وتقوده إلى القفلة التي تشلّ حركة الخيال وتُطفئ ما كان يتّقد داخله. تتراكم الأسباب: خفوت الإلهام، ثقل الإحباط، فوضى الذهن، وتشابك الروح مع أحداث لا تريد أن تنزاح.
ومع ذلك، تبقى القراءة والعودة إلى الكتاب والورق هي الملاذ الأخير، كأن العالم يضع للكاتب إشارات صغيرة على قارعة الطريق، تدلّه على بدايات جديدة انبثقت من نهايات ظنّها مغلقة.
هناك، في هامش كتابٍ أو في سطرٍ مهمل، يولد ضوء يعيد لليراع صوته، وللكاتب قدرته على أن يبدأ من جديد…
حتى لو بدا ما يكتبه بسيطًا، فهو جزء من رصيد خفيّ يبنيه في عالم الكتابة، خطوةً بعد خطوة، ونبضةً بعد نبضة.
الكاتبة بدرية آل حمدان