من البديهي تعريف العالم ككل بأنه الكون الذي نعيش فيه والكوكب الذي نحيا عليه، وهو العالم الرحب والواسع. لكنه رغم حجمه الكبير واتساعه فقد تحوّل إلى قرية كونية صغيرة بفضل تقنية الاتصالات وتطور المواصلات وسرعة الانتقال من أقصى الكوكب إلى أقصاه في فترة زمنية بسيطة جداً، أو بواسطة وسائل التواصل المتقدمة بصورة اسطورية وخيالية لم يكن من الممكن تصورها في القرون السابقة.
لذلك بات عصرنا الحالي هو عصر العلم والتكنولوجيا والمعرفة غير محدودة الآفاق.
لكن علوم المعرفة والتكنولوجيا تقف عاجزة أمام تحديات الحروب والأزمات والتوترات الدولية حتى بات الإنسان المعاصر يعاني من الخوف الكوني ككل، وصارت الحياة البشرية والأمن الإنساني من أكثر المشاكل تعقيداً.
ومما لاشك فيه أن إنسان اليوم قد استطاع غزو الفضاء، وحتى الإقامة فيه لفترات طويلة، وهذا ما جعل الإنسان يفقد صلته التدريجية بالكوكب الذي يعيش على معطياته وخيراته، ويزيد من انفصاله عن الواقع ليدخل في دوامة اختلال نفسي واجتماعي تجبره على الشعور بالاغتراب والانسلاخ أكثر من أي عصرٍ مَرَّ على البشرية.
ورغم الرقيّ التكنولوجي والمعرفي اليوم، إلا أنه من المُسلَّم به أن التطور العلمي السريع والهائل لايتم تسخيره في حفظ أمن الإنسان ولا في سعادته أو رفاهيته دون الإحاطة به بخوفٍ عالي الوتيرة وشعورٍ بالفناء وشيكِ الوقوع في أيّة لحظة وفي كل لحظة.
ومنذ أن استخدم الإنسان المعاصر علومه المتطورة لإبادة أكثر من ثمانين ألف شخصاً يابانياً خلال دقائق معدودة في محرقة هيروشيما وناغازاكي، والبشرية كلها تتوجس من الفناء الكلي في بضع لحظات مجنونة. إذ أن الإنسان المعاصر قد استخدم ويستخدم التقدم العلمي المتسارع لتوفير أقسى وأبشع مايمكن أن يتصوّره العقل من أدوات التدمير والفناء.
ويقول (جوزيف كاميللري) في كتابه “أزمة الحضارة” الصادر عن وزارة الثقافة السورية عام 1983:
“إن انتقال الإنسان من الحالة البدائية إلى التقنية الضخمة الحديثة جعله هشّاً قابلاً للعَطَب أكثر من ذي قبل، لأن المكاسب العظيمة في المعرفة القيّمة بحدّ ذاتها والإنتاجية كانت ذات أبعاد وفّرت له الضار من أدوات التدمير والعنف. وإن أزمة الإنسان المعاصر عميقة جداً وشاملة جداً بحيث أن أي محاولة مهما كانت جادة لتحليلها (الأزمة) تبدو تحدياً لقوة العقل البشري وتصوراته، لأنها أزمة اختلالِ تَوازنٍ تدفعه إلى تدمير قدرة الإنسان على التكيف البيولوجي والثقافي مع بيئته وقد تمنعه أيضاً من الاستمرار في نقل الحياة إلى الأجيال القادمة، وبذلك يضع الإنسان حدّاً لدوره في سيرورة التقدم والارتقاء. والأزمة التي تواجه الإنسان المعاصر اليوم هي أزمة بقاء.”
ومن ذلك نتبين أن مشكلة العالم اليوم أساسية ومحورية في الاهتداء إلى سبل ضمان التعايش السلمي بين التجمعات البشرية المختلفة، أو البحث عن أساليب تضمن عدم فناء الجنس البشري عبر تحقيق السلام بين الدول والأفراد المنقسمين إلى إثنيات وطوائف ومذاهب لا تتقن سوى الصراعات وزراعة الأحقاد وتوريثها إلى آمادٍ قادمة وبعيدة، رغم اختلاف الموارد والأجناس والتفكير الإيديولوجي.
وتبقى أزمة السلام البشري هي من الخطورة والضخامة التي تدفع إلى اليأس والإفلاس من الوصول إلى الوعي والتفاعل بعيداً عن التطورات والتواصل من أجل تطوير أساليب وأفكار التعايش لضمان استمرار الحياة البشرية دون مخاوف أو تهديدات وجودية.
د.علي أحمد جديد