الشِّعر ذاكرةٌ وبوحٌ وانفعالٌ وموقفٌ وتجسيد…
لغةٌ خاصة، وخيالٌ يعتلي الواقع ليحمله نحو المراد والمتمنّى،
ينحو باتجاه الجمال ويسعى إلى دغدغة المشاعر وإثارتها.
أمّا التاريخ فهو أرقامٌ ووصفٌ وانتقالٌ وعددٌ وأقوالٌ وخطبٌ،
وهو أيضًا بعثٌ للمأمول.
كلاهما موقفٌ مما جرى، وموقفٌ من الحياة والناس،
ولكلٍّ منهما أدواته ووسائله.
كلاهما ينسج الحدث، لكن… بطريقته.
الشعر يصحبك بعيدًا عن جوّ المعركة،
ويجعل ميدانها النفس والكلمة والمشاعر،
يثير فيك شهوة الكلمة.
لكن التاريخ يأخذك بيدك إلى الميدان،
يعيد ترسيم المعركة، يحدّد خطوطها من قربٍ ومن بعد،
من قبلُ… ومن بعدُ.
أمّا الشعر فيُستدلُّ عليه بالنتائج، ويعيد تكوينها،
فتبعث اللغة من جديد.
يرى بعضهم أن الشعر خارج نطاق التاريخ بانتهاء الحدث وموت الشاعر،
لكن الشاعر — بموته — يحيي المناسبة والحدث:
موقعة عمورية، معركة حطين، أحداث بورسعيد…
بينما التاريخ يريك الأسباب والمسبّبات.
ويرى آخرون أنّ الشعراء ليس شأنهم الاستناد إلى حوادث عصرهم،
ولا إرهاق أنفسهم بالتسجيل والمحاكمة والرواية واستجداء الموقف،
فحسبهم الجمال وعصارة الخبرة والحكمة.
وربما هناك رأي يجمع بين الطرفين… وهذا ممكن.
فالشاعر ليس مؤرّخًا حاذقًا دقيقًا يتتبّع ويرصد أعباء الحدث
فيُنهك شاعريته،
وفي الوقت ذاته ليس غريبًا عن محيطه وأحزانه ومسرّاته،
وإنجازاته ونكباته… شاء أم أبى.
هنا تنشأ العلاقة المتواشجة.
ومن هنا يجد الشاعر نفسه في صراعٍ داخلي:
هل يأخذه الشعر إلى عوالمه البعيدة الحالمة؟
أم ينساق وراء الحدث وقد جرّده من الحلم؟
وقد يقول قائل: ولمَ لا يجمع بينهما؟
وهنا تكمن البراعة، والدراية، والتقنية، والخيال الخصيب،
دون إلغاء الحدث وأهميته.
وقد قال بعضهم:
ليس الشاعر مُلزَمًا بتأريخ ما يجري أو الغوص في حيثياته.
وبالمقابل: هل يحقّ للشاعر أن ينحّي ذاته عن الأحداث
فيتجرّد من الزمن والمحيط؟
أيظل على الحياد… لا يعرف، لا يرى، لا يسمع؟
يا لها من مأساة! ويا له من داءٍ مخجل.
إنّ الشعر العربي القديم — ولعهدٍ قريب —
لم يكن بمعزل عن تأريخ الأحداث والمواقف منها.
هذا جليّ في شعراء أمثال: البارودي، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، الزركلي…
ومن خلال الشعر عرفنا الكثير مما جرى،
وتعرّفنا إلى المناضلين والشهداء والرموز:
سعد زغلول، عمر المختار، إبراهيم هنانو، عبد القادر الجزائري، الحسيني، القسام…
والثورات التي اشتعلت في القرن العشرين ولم تهدأ.
ومع المستجدات النقدية والمفاهيم الوافدة،
ومع تأثير الثقافة الغربية على ملامح الشعر الحديث،
تغيّر الكثير.
ابتعد الشعر عن القضايا المصيرية، إن عبّر عنها أصلاً،
وفَقَد جانبًا مهمًّا من جوانبه التوثيقية،
وفَقَد الحماس والإثارة والتحريض،
فتراجعت ريادته…
وتخلّت الجماهير عن شعرائها الذين تنحّوا جانبًا
واستقالوا من دورهم الطبيعي.
لم تعد القضايا الكبرى تشغل الشاعر،
فانكفأ إلى ذاته المغلقة،
وخسر الشعر الكثير:
خسر التوثيق، والحماس، والشهادة الحيّة،
وخسر الجانب الوجداني القادر على تحريك النفوس.
الواقعة التاريخية الكبرى التي كانت تشحذ الهمم
لم تعد اليوم من اختصاص الشعر — في نظَر النقد الحديث —
فافتقد الشعر عنصره الحيوي: التشويق والحدث.
هل سأل أحدُنا عن مشهدية الواقع الشعري
وعن طبيعة علاقاته في زمنٍ يموج بالمتغيّرات
ويرنو إلى المستقبل؟
ذاك المستقبل الذي يلوّح بالإطلالة…
مشهدٌ — كما أراه —
سيقود إلى تنحية الشعراء،
وإحالتهم إلى التقاعد المبكر.
الكاتب محمود محمد أسد