العِلمانيّة حركةٌ اجتماعية واتجاهٌ لأنظمة الحكم في العالم وكذلك في الحياة الاجتماعية، ويقوم هذا الاتجاه في أساسه علىٰ استبعاد الصِبغة الدينية من حكم المجتمعات علىٰ اعتبار أن السياسة لا صلة لها بالدين، لأن حكم المجتمع ـ أي مجتمع ـ يقوم على تنمية النزعة الإنسانية وعلى الإنجازات الثقافية والبشرية، حتى صارت العلمانية اليوم نظاماً اجتماعياً في الأخلاق يؤسس القيم السلوكية والخُلُقية في الحياة المعاصرة وفي التضامن الاجتماعيّ دون النظر إلى الدّين.
وقد نشأت فكرة (علمانية الحكم) في أوروبا إبان عصر التنوير النهضوي، وكانت في مواجهة الكنيسة ومعارضة سيطرتها علىٰ كل المجتمع ومؤسساته، ولمحاربة تنظيم الكنيسة للمجتمع وتقسيمه حسب الانتماءات الدينية والطائفية، لأنّ وظيفة الدين لا تخرج عن وظيفة تنظيم العلاقة بين الفرد وبين الخالق، لأنه بإبعاد سطوة أباطرة التديّن يكون تنظيم الدولة الاجتماعي قائماً على أساسٍ إنسانيّ بحت.
انتشرت فكرة العلمانية بشكل واسع وسريع بعد نشوئها في الغرب الأوروبي، وتحديداً في فرنسا بعد قيام الثورة الفرنسية والتي تُعدُّ أول نظام دولي وُجِدَ بشروط علمانية صريحة وحسب عقدٍ اجتماعي جديد بدأ صياغته المفكر (جان جاك روسو) بعيداً عن سلطة الكنيسة، وبذلك باتت العلمانية الجديدة ذات جاذبية عالمية قوية وإنسانية في المجتمعات المتنوعة في دياناتها وفي إثنياتها (أعراقها) بشكل كبير وصارت الأسلوب المُجدي والناجع لمنع الحكومات من التمييز بين ديانات المجتمع الواحد وأعراقه وعقائده الفكرية.
تتعدد مذاهب العلمانية كأي منهج فكريّ وتتنوع لتشمل بمفهومها جميع مقوّمات المجتمعات الإنسانية التي تتبناها الدولة كمنهجٍ للتعامل. فكان منها:
• العلمانية السياسية
في الإيديولوجيات والسياسات التي تسعى إلىٰ إبقاء الأفراد بعيداً عن الهيمنة وعن الخيارات والتفضيلات الدينية، وإبقاء الدولة خارج الاهتمامات الدينية للأفراد.
• العلمانية الفلسفية
التي تهتم بالسعي إلىٰ استيعاب الأفكار والآراء والأبحاث التي تصدر من الأفراد في نقد الديانات السماوية منها والموضوعة، وفي تحدي السلطات الدينية باحترام حرية التعبير.
• العلمانية الاجتماعية والثقافية
وهي تعمل للوصول بالأفراد إلىٰ تقليص اهتماماتهم بالشؤون الدينية في حياتهم اليومية، وعدم اعتبارها ذات أهمية أساسية في تشكيل هويتهم الوطنية والقومية.
وقد مرت العلمانية عالمياً بمرحلتين رئيسيتين كالآتي:
1 ـ العلمانية العقلية
وهي العلمانية النضالية أو علمانية الصراع، وتنطلق من منطلقات عقلانية، تُنادي بسيادة العقل البشري القائم على الفحص، والتجريب، والقياس الرياضي الدقيق، وتُشكل هذه المرحلة أساس الحضارة الغربية، والتي يمكن اعتبارها مرحلةً انتقاليةً أوصلت إلىٰ العصر الأمريكي والتكنولوجي والاستهلاكي الحالي.
2 ـ العلمانية الجديدة
وتُسمى أيضاً بالعلمانية المنفتحة، وجاءت بعد فشل العلمانية العقلية، إذ بيّن الواقع أنّه لا بد من وجود تقارب إيجابي بين المؤسسات الدينية وبين الدولة، وبناء جسور التعاون بينهما للعثور على صيغة جديدة بهدف الوصول إلىٰ علمانية جديدة تُتيح إمكانية وجود روحانية جديدة لبناء المجتمع علىٰ أسس ومبادئ رئيسية تقوم عليها العلمانية السليمة.
وتكوّن هذه المبادئ جوهر العلمانية التي تعتمد المبحث المادي البحت في تفسير العالم بقوانينه، وفي دراسة حياة البشر (الأنثروبولوجيا). وكذلك اعتماد العلوم التجريبية والمنهج التجريبي القائم علىٰ الشّك في كلّ شيء وعدم اعتماده إلا بعد إجراء التجارب والتوصل إلىٰ النتائج المُرضية، فلا يقتصر المنهج العلمي علىٰ العلوم التجريبية وحدها، بل يشمل علم الاجتماع والسياسة والنفس.. إلخ.
وبالتالي يكون ذلك هو المنهج الوحيد المقبول باعتباره قد اتخذ كلّاً من التجارب والإحصاء والعقلانية والمنطق وسيلةً للوصول إلىٰ الحقيقة بعد رفض الإيمان بالغيبيات الميتافيزيقية علىٰ أساس فصل الدين عن الدولة، لأن المعاملات الاجتماعية والسياسية والدنيوية تكون خارج نطاق الدين، ولأن العلاقات الدينية تنحصر بالعبادة بين الإنسان وربّه.
وبذلك تكون منهجية العلمانية تسعىٰ بمبادئها إلىٰ تحقيق مستهدف إليه من تحسين الحياة البشرية في الدنيا عن طريق استخدام الوسائل المادية البراغماتية العلمية، واعتبار العلم وحده قدر الإنسان، لأن العلمانية ترفض الإيمان بالقدر وبالمجهول وبعمل الخير في الدنيا لتحسين الحياة البشرية وجعلها سعيدة قدر الإمكان دون انتظار الجزاء من الله سبحانه وتعالىٰ، لأن العمل الصالح هو قلب الإيمان الفعلي الذي تقوم المؤسسات الدينية بتشويهه.
مستويات العلمنة الثلاثة
هناك علاقة معقدة بين مستويات العلمنة وبين تأثير الجهات الفاعلة المختلفة في النزاعات العديدة حول دور الدين في الحياة، حيث تمرّ العلمانية بثلاثة مستويات من العلمنة وهي:
1 ـ العلمانية المجتمعية
إذ أن العلمنة المجتمعية تكون نتيجة نموذجية لعمليات الحداثة وبرامج التطوير التي تُروّج لها الأحزاب السياسية.
2 ـ العلمانية الفردية
وتتجلّىٰ في تراجع الالتزام الديني للأفراد لأنها تحدث نتيجة إعادة الأفراد تكوين معتقداتهم وممارساتهم الشخصية بعيداً عن الدين، كما تتجلىٰ بتجزئة انتظام معنىٰ الحرية الفردية، وإبعاد الدين عن مجالات الحياة الأخرىٰ.
3 ـ العلمانية التنظيمية
وتغطي العلمنة التنظيمية مدىٰ تكيّف الهيئات الدينية مع المجتمع العلماني في ظل الدولة ومؤسساتها الاجتماعية.
العلمانية والديمقراطية
ولهذا فإن علاقة العلمانية بالديموقراطية تتبلور في تبني الفكر العلماني مفاهيم الديموقراطية والعدالة وفي دعم حقوق الإنسان العالمية فوق أي مطالب أو أي اعتبارات دينية، واعتبار جميع المواطنين متساوين في الحقوق وفي الواجبات أمام قانون لا يُميِّز بين انتماء ديني أو طائفي أو مذهبي ولا بين انتماء سياسي يُعطي مزايا أو عيوباً، لأن العلمانية السليمة تدعم قوانين المساواة وتحمي الأقليات في المجتمعات من التمييز الديني، وبذلك تضمن حقوقهم وواجباتهم، كما تضمن حقوق وواجبات المؤمنين الدينيين علىٰ حدٍّ سواء.
وتاريخياً، فإن فكرة العلمانية كانت نتيجة تسلط وقهر السلطة الدينية في العهدين (الأموي والعباسي) تحت مسميات الخليفة وأمير المؤمنين وتبعهما التسلط (العثماني)، كاستنساخٍ لما كانت عليه سلطة الكنيسة في أوروبا إبان العصور، وهو ما دفع المفكرين الناشطين في أوروبا إلىٰ وضع منهج فكري جديد بعقد اجتماعي يقوم علىٰ فصل الدين عن سلطة الدولة السياسية وعن سلطتها علىٰ القوانين والأفراد.
وبدأ من فرنسا كما جاء ذكره آنفاً، مع وضع (جان جاك روسو) أولىٰ مبادئ العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة الإنسانية بين المواطنين وبين الدولة. ثم توسع هذا المنهج حتى وصل إلىٰ منطقتنا، مروراً بالعديد من الدول حول العالم التي تبنت الفكر العلماني في بناء مجتمعاتها، وسنّت دساتيرها وفقاً لمصالح شعوبها.
وقد مرّت هذه الفكرة بمرحلتين اثنتين، كانت الأولى منها تنطلق من منطلقات العلمانية العقلانية القديمة، تُنادي بضرورة سيادة العقل البشري، بينما عرفت المرحلة الثانية أهمية تقارب المؤسسات الدينية وتعاونها مع الدولة.
كانت العلمانية من أكثر المفاهيم الإشكالية المُثيرة للجدل والخلاف. ولكنها رغم ذلك كان هناك اتفاق علىٰ أنَّ جوهرها هو مبدأ فصل الدين عن السياسة، بمعنى أن لا تتدخل المؤسسة أو السلطة الدينية في السياسة، وأن لا تتدخل المؤسسة أو السلطة السياسية في الدين.
لأن العلمانية في أساسها كانت نتيجة أزمةٍ بنيوية في العلاقة بين الكنيسة وبين الدولة أحدثها طغيان الكنيسة وتحالفها مع المَلَكية والإقطاع وهو ما أتاح إلىٰ استبداد رجال الدين وانحرافهم المالي والأخلاقي، وإلىٰ جمود الكنيسة الديني والفكري وهو ماتعيشه مجتمعاتنا اليوم، وما تبع ذلك من حركة إصلاح ديني بدأ بظهور المذهب البروتستانتي، ثم قيام الثورة الفرنسية الرافضة لهيمنة الاستبداد الديني والسياسي، وقيام الثورة العلمية والتنويرية النهضوية المرتكزة علىٰ الحسّ والتجربة بدلاً من المعرفة الدينية المعتمدة على الإيمان الكنسي.
وبذلك تقدَّم العلم علىٰ الدين، وطغت الحرية علىٰ الاستبداد، ولو بشكل ظاهري في الغرب الأوروبي والأمريكي، فاستولت الدنيا علىٰ الآخرة، وتسلّطت المعتقدات المادية علىٰ الروحية، وهو ما رسّخ المفهوم الخاطئ عن مبادئ العلمانية التي كانت في جوهرها الفصل بين الدين والسياسة لسلامة بناء الدولة والمجتمعات الإنسانية.
العلمانية والاستعمار
لقد ساهم فصل الدين عن السياسة في أوروبا بتحريرها من القيود التي كانت تفرضه الكنيسة علىٰ العلم والحرية والإبداع، كما ساهم أيضاً في التخلّص من التخلّف العلمي، وفي تعزيز الحرية السياسية، وعجّل في تحقيق التقدم العلمي، الذي تبعه التوسع التجاري، والاكتشافات الجغرافية التي كانت نتيجتها نشاط الحركات الاستعمارية في القارات الثلاث (أمريكا وآسيا وأفريقيا).
ورغم مبدأ فصل الدين عن السياسة، كان الدين حاضراً في حركة الاستعمار الأوروبي خارج القارة الأوروبية البيضاء باعتماد التبشير الديني المسيحي تمهيداً للاستعمار ومُثبِّتاً له أو مُرافقاً ومساعداً له كما كان في جنوب أفريقيا وفي استراليا ونيوزيلندا، لأنه في كل الأحوال كان الاستعمار يستحضر الدين على ألسنة قادته العسكريين.
ومنه ما قاله الجنرال البريطاني (اللِّينبي) يوم سقوط القدس:
“الآن انتهت الحروب الصليبية”.
وما قاله الجنرال الفرنسي (غورو) يوم سقوط دمشق:
“ها قد عُدنا يا صلاح الدين”.
وكان لارتباط الدين بالحركة الاستعمارية الأوروبية، رغم علمانية أوروبا التي تفصل الدين عن السياسة، وضوحاً لا لَبْسَ فيه حين قام البريطانيون بتأسيس المذهب الوهابي في نجد والحجاز و حركة الإخوان المسلمين في مصر لخدمة مصالحهم من وراء ستار ديني لا علاقة له بالدين أساساً، ولترويج فكرة الفوقية الإلهية واعتبارهم “شعب الربّ المختار”.
مُشبَعين بالروح الدينية التلمودية والتوراتية والصليبية العنصرية، وأنَّ الأرض الجديدة (أمريكا) هي أرض الميعاد (كنعان الجديدة)، عندما ركبوا المحيط وبحثوا عن الخلاص في أرضٍ جديدة، كما خرجت أسلاف بني إسرائيل من مصر إلىٰ فلسطين لإقامة “مملكة داود المُقدّسة”.
وسمّوا مستوطناتهم الأولى بأسماء عبرية، واعتقدوا أنَّ لهم رسالة دينية مسيحية اختلطت بالعقيدة العنصرية العرقية القائمة على فكرة:
“الأنغلوساكسون – الجنس الأبيض المتفوّق”
المشبعة بالعقيدة العنصرية الدينية القائمة على فكرة:
“شعب الربّ المختار”.
العلمانية والسياسة الحديثة
وكان الارتباط بين الدين والسياسة في علمانية أوروبا قد ظهر بشكل أكثر وضوحاً في دورهم المركزي في إقامة “مملكة إسرائيل” الحقيقية علىٰ الأرض الكنعانية من فلسطين السورية، بعد أن نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية فكرة ظهور الإنجيلية المسيحية (الصهيونية) المنبثقة من المذهب البروتستانتي كجزء من عقيدة الخلاص المسيحية، القائمة على الإيمان بعودة اليهود (شعب الربّ المختار) إلىٰ فلسطين (أرض الميعاد) وإقامة “مملكة إسرائيل” الجديدة التي ستهدم المسجد الأقصى وتقيم الهيكل الثالث مكانه.
وقد ترجمت عقيدة الإنجيلية المسيحية الصهيونية في السياسة الأوروبية بقرارات كان أهمها:
وعد بلفور – سايكس بيكو – صكوك الانتداب – قرار التقسيم – تسهيل الهجرة اليهودية – تسليح الميليشيات اليهودية – الدعم المالي الخليجي – الدعم الغربي بالسلاح – المرتزقة.
لذلك لا نتفاجأ عندما نرىٰ بأن الدين ما زال حاضراً في القرار السياسي الأوروبي، رغم دساتير دوله العلمانية كفرنسا المتطرّفة بالعلمانية وبتقديس الحرية الشخصية بما فيها حرية التدين نظرياً، ولكنها عملياً تفرض القيود علىٰ ارتداء الحجاب في مؤسساتها الرسمية، وتتيح للمرأة حرية التعرّي والإباحية.
وما زالت تواصل توظيف الكنيسة الكاثوليكية فيها لخدمة أهدافها الاستعمارية في البلاد التي كانت تحتلها. وكذلك هي ألمانيا كنموذج آخر لارتباط الدين بالسياسة، من خلال الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني الحاكم الذي دمج بين القيم المسيحية والليبرالية في السياسات الداخلية والخارجية.
خاتمة
إن فكرة العلمانية واللهاث وراء تطبيقها واعتمادها إنما هو ستارة تخفي وراءها البلاء والكوارث بهدف انتزاع الناس من انتماءاتهم القومية الاجتماعية خدمة للمصالح الاستعمارية التي بات إخفاؤها اليوم أكثر صعوبة وأغلىٰ كلفة علىٰ مُروِّجيها.
د. علي أحمد جديد