الفلسفة وفلسطين : مقاومة اغتصاب المفاهيم في الخطاب الاستعماري للكاتبة والباحثة وفاء داري

الفلسفة وفلسطين: ومقاومة اغتصاب المفاهيم

كلنا نعلم أن واقع القضية الفلسطينية يشكل نموذجاً لصراع المفاهيم في سياق الهيمنة الاستعمارية، والتي تعيد صياغة المصطلحات والمفاهيم مثل “المقاومة “النضال” “الاحتلال” “السلام” و” الديمقراطية”، لخدمة الرواية الصهيونية. عن طريق آليات تشويه المفاهيم الفلسفية كأداة لتبرير القمع والاحتلال والسياسات الاحتلالية، مثل بناء الجدران العازلة أو ممارسات الاعتقال الجماعي، بدلاً من كونها مصطلحات مرتبطة بمفاهيم حقوق الانسان والعدالة.

لنحاول فهم كيف تحول مفهوم المقاومة إلى “إرهاب”، وهنا لاحظ انني أقول المقاومة وليس اسم محدد لحركة أو جبهة أو حزب وذلك لأن الحديث عن(حركة معينه أو جبهة) فيه محاولة الغاء كلمة فلسطين من المقاومة وهذا فخ ينصبه الإعلام و هدفه تفريغ المقاومة من مكونها الفلسطيني والأخلاقي .

وكذلك أيضًا أن يُختزل الإحتلال على أنه “نزاع”، فيما يُعاد تعريف “الأمن” و”الديمقراطية” لطمس الحقوق الفلسطينية من المتوقع مساهمة عدة أمور في تشكيل صراع المفاهيم، أو التوصيف كآليات لاغتصاب المفاهيم مثل: التشويه اللغوي كإعادة تعريف “الاحتلال” على أنه “نزاع” أو “دفاع عن النفس”، مما يمنح شرعية زائفة على الممارسات الاستعمارية. كذلك الانزياح الأخلاقي: كاستخدام مصطلحات مثل “السلام” و”الأمن” لتبرير التوسع الاستيطان وانتهاكات حقوق الإنسان. يجب استعادة البعد الإنساني في خطاب المقاومة، بحيث لا يبقى محصورًا في الإطار القانوني الغربي، بل يُعاد تعريفه ضمن الأخلاقيات المسؤولية الإنسانية العادلة. كذلك الانزياح المفاهيمي: يهدف إلى تبرير الاستمرار في سياسات التوسع والتهجير، ويحاول إخفاء الطبيعة الاستعمارية للاحتلال. أيضًا هناك الانتقائية في الخطاب الدولي: كتجاهل الانتهاكات الصريحة الإسرائيلية تحت ذرائع أمنية، كهدم بيوت الفلسطينيين بحجة عدم امتلاك تراخيص للبناء. بينما تشيد المستوطنات على أراضي فلسطينية اغتصبتها من أصحابها الفلسطينيين لمنحها للمستوطنين بأقل التكاليف. بينما تُقدَّم إسرائيل كـ “ديمقراطية وحيدة” في المنطقة رغم نظامها العنصري. وبما أننا نفهم واقع وخطورة مقاومة اغتصاب المفاهيم يجب البحث عن استراتيجيات المقاومة الفكرية حيث حاولت من خلال كتابة مقال، والاستناد بتفكيري من خلاله إلى نظريات ما بعد الاستعمار (إدوارد سعيد) والتفكيكية (جاك دريدا) وتحليل السلطة (ميشيل فوكو)، يمكن التفكير من خلالها في أدوات فلسفية لمقاومة التشويه وتفكيك الخطاب السلطوي على النحو التالي:

1. التفكيك النقدي: تفكيك الخطابات المهيمنة وكشف تناقضاتها، مثل فضح ازدواجية مصطلح “الديمقراطية” الإسرائيلية. وإعادة بناء مفاهيم المقاومة والعدالة. من خلال الثوابت وحقوق الدفاع عن الأرض كتعريف “المقاومة” بوصفها حقًا مشروعًا ضد الاحتلال.

2. إعادة التأسيس: دراسة آليات السلطة التي تشكل المعرفة والخطاب حول فلسطين، مما يُمَكّن من فضح استراتيجيات إنتاج الحقيقة السياسية واستعادة المفاهيم عبر سردية فلسطينية تعتمد على الحقوق التاريخية والأخلاقية. وإدراج تعليم الفلسفة وفلسطين ضمن البرامج الاكاديمية في الجامعات العربية.

3. النضال الثقافي: وهنا أتوقع يأتي دورنا في المساهمة في توظيف الأدب والفن والإعلام لنشر الرواية الفلسطينية، ونشر الوعي الثقافي. من مثقفين وأكاديميين وباحثين وكتاب وفنانين وأصحاب التأثير، كل منا له دور في فضح التشويهات وترسيخ مفاهيم العدالة والحرية. فقضية تحرير المفاهيم جزء جوهري من النضال التحرري، يتطلب مواجهة الهيمنة الخطابية عبر الأدب والفن والتضامن العالمي. أيضًا تفعيل دور المؤسسات من الجانب الثقافي والفلسفي والتوعوي، بل وعقد مؤتمرات وبناء تحالفات دولية لدعم العدالة.
في الختام: ليست مقاومة اغتصاب المفاهيم معركة لغوية فحسب، بل هي صراع وجودي لاستعادة الهوية والحقوق. يتطلب النضال الفلسطيني في فلسطين والمهجر: تحريرَ (الأرض والمعنى) معًا، عبر خطاب نقدي يكشف آليات الهيمنة ويعيد بناء السردية وفقًا لرؤية لا استعمارية هذا النقد الفلسفي الذي يتم مناقشة اليوم ليس مجرد عمل أكاديمي، أو بحثي من خلال مقال؛ بل نقاش ثقافي محوري وأحداث الساعة، وأداة لإعادة تشكيل الوعي وبناء عدالة رمزية توازي النضال المادي.

الكاتبة والباحثة وفاء داري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *