الوقوف أمام قفص الطيور الواسع في الحديقة العامة، عادة أخذها عن سيدة مجهولة وجميلة كانت ترتدي معطفاً مزركشاً غريباً بعض الشيء ومميزاً عن غيره من المعاطف التي تغطي أجساد حسناوات المدينة.
كانت تقف أمام قفص الطيور ذات يوم شتائي يتخلل غيومَه شعاعُ شمس سديميّ هارب من خلف الغيوم التي تلبد السماء. ومع الأيام، سكنته هذه العادة وتأصلت لديه وصار من الصعب عليه أن يتخلَّصَ منها، مثلما تخلّص من الكثير غيرها، خاصة بعد ما حدث له ذلك الحادث الغريب قبل أن يلتقي تلك السيدة المجهولة والجميلة.
منذ فترة من الزمن، لم يعد يستطيع تحديدها فيما إذا كانت فترةً طويلة في أيامها أم قصيرة. كانت حياته تمضي هادئة، كما خطط لها في حلمه أن تسير، وكان سعيداً في أيامه إلى حدٍّ لا يتوفر للناس العاديين من السعادة.
كان سعيداً وهو يرى في نفسه واحداً مميزاً من علماء هذا الكوكب الغريب، بتكويناته وبأشخاصه الساذجين الذين يعيشون رتابتهم دونما شكوى ودون اعتراض. ودراساته وبحوثه في علم الأحياء قد أضفت على حياته وعلى شخصيته طابعها الخاص والفريد، وفرضت على سلوكه اليومي أسلوباً مميزاً يُقدِّره الآخرون ويحترمونه كأمر واقع ومحبوب.
كل شيء قبل يوم لقائه بالسيدة المجهولة كان واضحاً، بسيطاً ومألوفاً. وفئران التجارب في مختبره الواسع كانت أكثر ما يألفه ويفهمه، حتى أنه قد خصص لها أقفاصاً جميلة، واسعة ونظيفة، وذات قضبان مذهبة الألوان تنبئ عن علاقته الوطيدة بها.
كانت فئرانه في تلك الأقفاص الواسعة ذات القضبان المذهبة تركض، وتقفز، وتبدي سعادتها النابعة من أعماقها والتي لا أحد يستطيع ترجمتها سواه. ساعات طويلة كان يمضيها مع الفئران في مختبره كل يوم، يدرس سلوكياتها بكل علومه وبكل ما اكتسبه من معرفته و مداركه دون ملل.
– هل ثمة من يفهم الفئران كما أفهمها أنا؟
في ذلك اليوم الشتائي الكئيب بغيومه الرمادية السميكة، اعترته رغبة النزهة في الحديقة العامة ليروّح قليلاً عن نفسه المتفاخرة. ولما هبط درجاتها وصار بين شجيراتها وبدأ يتمشى في طرقاتها، شعر أنه يجرّ جسده المكدود جراً.
لمحها تقف بقوامها الفارع أمام قفص الطيور الواسع، تتأمل ما فيه بنظرات تعكس حيرة أفكارها بينها وبين نفسها، وبوميض غريب يتألق في عينين تفتقد الحديقة إلى لونهما الربيعي في هذا الوقت من كل عام. أثارت فضوله بخصلات شعرها الفاحم القريب إلى سواد أعماقه التي يحفظ فيها سرّه العلمي الدفين، ولاحظ وقفتها المتميزة أمام قفص الطيور الواسع والفسيح.
لم يستطع كبح فضوله المتأجج رغبة في سبر أغوار ما تخفيه وراء تأملاتها، فدنا منها يسأل بصوت هادئ ورزين:
– يبدو أن للسيدة اهتماماتها في عالم الطيور.
أجابت ونظراتها المتأملة ما تزال تتابع البلابل المغرّدة والطيور الملونة مختلفة الأحجام في القفص الواسع الكبير:
– لا، ولكني أحاول التوصل إلى فهم حقيقة شعور هذه الطيور المسالمة والرقيقة وهي تتوق للانطلاق من هذا الأسر الرهيب.
قال:
– يبدو لي أن للسيدة اهتمامات خاصة في دراسة مشاعر المخلوقات غير الإنسانية دراسة علمية ومنطقية.
قاطعت استرساله في الحديث، واندفاعته، وكأنها أدركت ما كان يقصده من وراء استعراض معلوماته وظنونه وهي تقول بهدوء:
– أعتقد أن مخلوقات رقيقة مثل البلابل والعصافير، ومثل هذه الطيور المسالمة، لديها من المشاعر الإنسانية أرقى بكثير مما لدينا نحن البشر فيما لو كانت الإنسانية تعني لديك رهافة الحس وسمو التواصل مع الغير.
أدهشته إجابتها وأخجلته من عبارات سؤاله التي أحسها قريبة من الجهل والغباء، وجفَّ حلقه بضراوة قاسية وهو يحس الدم يتدفق إلى رأسه حاراً حتى الغليان، محاولاً استجماع شتاته الداخلي ليعاود السؤال بطريقة منمقة:
– لا أختلف معك في ذلك، وأظنني أصبت في اهتمامك بمشاعر المخلوقات غير البشرية، إذا كان يرضيك هذا التعبير.
قال ذلك، ثم ابتسم ابتسامة مفعمة بالألم وبالندم. ردّت عليه بدورها تقول:
– ذلك شيء خاص بي، وأرى أن احتفظ به في نفسي.
أدرك الصدَّ في إجابتها وعدم رغبتها في متابعة التحاور معه، ولفت انتباهه أن معطفها الداكن الذي ترتديه كان مزركشاً بخيوط مذهبة ويحيطه إطار أحمر كحمرة شفتيها الكرزيتين اللامعتين. بدا مختلفاً عن المعاطف التي تزخر بها واجهات المحلات والمخازن في المدينة لأنه لم ير مثله على أكتاف الحسناوات اللواتي تملأن دروب الحديقة العامة وطرقاتها في ذلك اليوم، لكنه تظاهر بتجاهل المعطف الغريب كصاحبته الجميلة ولم يُعِره الاهتمام.
في اليوم التالي، وأثناء وقوفه أمام طاولة الاختبارات الطويلة، اعتراه الضيق من صورة السيدة المجهولة التي تطرق مخيلته وتُلحُّ عليه بمعطفها المزركش بخيوطه المذهبة، فلم يستطع إنجاز شيء من بحوثه. ترك كل شيء وانطلق نحو الحديقة العامة ثانية، يحدوه أملٌ برؤيتها واقفةً هناك أمام قفص الطيور، وفي قراراته كان يعتقد أن هزيمته أمام السيدة المجهولة بالأمس كانت مخزية وقاهرة.
أعياه البحث في طرقات الحديقة العامة وفي دروبها، وطافحاً بشعور الهزيمة، وقف أمام قفص الطيور حيث كانت تقف، وراح بدوره يتأمل الطيور باهتمام مفاجئ وغريب، ولم يغادره الأمل برؤيتها من جديد. كان يتأمل البلابل والطيور الحبيسة وهي تغرّد طَرِبةً داخل القفص الكبير، ويدرك سعادتها في الحياة التي تعيشها دونما احتجاجات أو تذمر، ولم يلحظ أياً من تلك الطيور يرغب بالتحرر أو بالانطلاق.
تساءل بصوت مسموع يستغرب ظنون السيدة المجهولة:
– ترى، هل هذه الطيور سعيدة حقاً وهي تغرّد وتغنّي داخل هذا القفص، أم أنها تكتم شيئاً غير الذي تُبديه في تغريدها؟
فاجأته فتاة في مقتبل العمر تردُّ على تساؤله:
– كل الطيور الحبيسة تطمح للتحرر من أقفاصها. إنها تحاول الانطلاق ولما يُعجِزُها ذلك تلجأ إلى الاحتجاج عبر زقزقتها وتغريدها الذي لا تتقن سواه، فيظن الآخرون أنها تغنّي بفرح دون أن يدركوا مدى ألمها أو العذاب الذي تعانيه في محبسها.
لم يرتح لإجابة الفتاة، ولم يعجبه وقوفها إلى جانب قفص الطيور مطلقاً. تمنى لو كان يعرف شيئاً عن حياة الطيور أو لغتها كما يعرف عن الفئران في الأقفاص المذهبة. حاول أن يقنع نفسه أن حبس الطيور في الأقفاص لا يثير اهتمامه ولا يشكل مشكلة لديه وإنما لدى أولئك الذين لا يعلمون مدى ما حققه في اختباراته على الفئران.
انسحب بهدوء من جديد وابتعد عن قفص الطيور وعن الفتاة الجديدة المنهمكة بمناجاة الطيور من خارج القفص، مكتفية بالوقوف ومُكلَّلةً بالعجز الذي يغطيها ويمنعها من فعل شيء يساعد الطيور في مِحبَسها. عاد إلى طاولة اختباراته وإلى تجاربه يردد في أعماقه تساؤله الأزلي:
– هل ثمة من يفهم الفئران كما أفهمها أنا؟
وقرر أن ينهي المرحلة الأخيرة من بحوثه في تجاربه على الفئران التي سيجعل منها سلاحه السرّي الذي ستتهافت على شرائه شركات الأسلحة البيولوجية والدول، مما سيتيح له السيطرة على المدينة، ومن بعدها سيتمكن من السيطرة على العالم كله إذا أحسن استخدام فئرانه واستغلالها بشكل جيد.
أمسك بين إصبعيه بفأر من فئرانه، تأمله طويلاً وراح يقلّبه على الطاولة أمامه. وللمرة الأولى، انتابته قشعريرة تسري في كل أنحاء جسده. ارتجف وكأن تياراً كهربائياً مفاجئاً عالي التوتر قد صعقه، وهو يرى الاستكانة واضحةً في عينيّ الفأر المستديرتين، ورأى فيهما التماعة توسّله له أن يطلقه من بين يديه ليعيده إلى القفص مع أقرانه من الفئران هناك.
كان الفأر لا يستجيب لتجاربه كسابق عهده ويصرّ بحركاته على التوسل للإفلات منه، لكنه لم يكترث لكثرة توسلات الفأر وضغط على عنقه قليلاً بين إصبعيه. دفع الفأر المستكين بأطرافه الأربعة في الهواء يحركها بقوة محاولاً التملص من بين يديه، عاود بدوره الضغط على عنق الفأر بقوة أشد. حاول الفأر التخلص ثانية، فزاد من قوة الضغط على الفأر الذي فتح فمه على آخره مُبرِزاً أسنانه الدقيقة حتى توقفت أطرافه عن الحركة وتدلّى ذيله الرفيع بلا حراك.
ضجّت الفئران كلها في أقفاصها المذهّبة تعلن احتجاجها وهي ترى واحداً منها يقضي بيد عالم الأحياء الطموح، وأصدرت زقزقةً وأصواتاً تغطي أنحاء القاعة الفسيحة كلها، لكنه لم يكترث لتلك الاحتجاجات أيضاً.
غمره شعور مثير بالارتياح الذي كان قد افتقده منذ لقائه بالسيدة المجهولة، وألقى بالفأر المقتول في سلة مهملاته المذهّبة أيضاً تحت طاولة اختباراته وتابع تجاربه بهدوء وارتياح شديدين بعد أن أحضر فأراً بديلاً يجري عليه تجاربه.
ولما انتهى، استرخى على كرسيه الجلدي ليدوِّنَ أحداث يومه في سجله الخاص التي لم يأت فيها على ذِكر الفأر المتمرد ولا على احتجاجات باقي الفئران أبداً. وأكثر ما كان يسعده ويبعث في نفسه الارتياح هو قدرته في القضاء على واحد من فئرانه بضغطة واحدة وقوية من إصبعيه لكل فأر قد يبدي رفضه الانصياع والخضوع للتجارب مثل غيره من الفئران المدرَّبة.
منذ اليوم الذي التقى فيه السيدة المجهولة والجميلة، صار يذهب كل صباح إلى الحديقة العامة، يتمشى في طرقاتها ولا يكفُّ بحثه عن صاحبة العينين الربيعيتين والمعطف الداكن المزركش بخيوطه الذهبية. كان يتمشى في دروب الحديقة العامة وفي قلبه آمال تشتعل لرؤيتها من جديد.
أيام غير قصيرة انقضت، ومعها أيام من اللهفة. وفي وجوه كل الفتيات اللواتي في عمرها كان يرى ويتوسم طيفها آتية إلى أصدقائها الطيور في القفص الواسع المشبّك والفسيح. وخلف جذع كل شجرة من أشجار الحديقة العامة ووراء كل أيكة من أيائك ورودها، كان يتوقع أن يصادفها مسترسلة في تأملاتها المميزة التي لا تنتهي.
أهدر الكثير من ساعات الانتظار دون أن يحظى برؤيتها حتى اللحظة، وشَغَلَه بحثه عن وجهها بين الوجوه، شَغلَه عن الالتفات إلى أوراق الشجر المصفرة وهي تتهاوى عن أغصانها وتمْلأُ دروب الحديقة العامة العريضة منها والضيّقة، وتَملَّكه يأس لم يعرف إلى قلبه طريقاً من قبل.
بينما كان يستند بكتفه إلى طرف قفص الطيور الفسيح بشرود، فاجأه صوت من الخلف يسأله:
– هـل للسيد اهتماماته الخاصة بحياة الطيور؟
بِرقَّة جدولٍ عذبٍ وببهجة صورٍ لا ينتهي شلّالها، أتاه صوتها. خفق قلبه بين ضلوعه بقوّةٍ وبعنف شَدو البلابل والطيور التواقة للانطلاق من القفص الحديدي المشبّك أمامه تعبيراً عن الفرحة الهادر تأجّجها في داخله.
التفت إليها بنهم طفل لدميته الضائعة، وفي أعماقه رغبة جامحة ليحكي لها مرارة معاناته في انتظارها الطويل، وأن يحكي لها كيف كانت أيامه تتدحرج نحو الهباء قبل لقائه بها، وعن الحرمان القاسي الذي كان يحاصر طفولته. ولم يستفق إلى نفسه إلا هو يحدثها، بزهوٍّ، عن مكانته التي وصلها بجهوده في البحث، وفي دراسته لحياة الفئران وسلوكياتها ليتمكن من تحويلها إلى سلاح فريد للسيطرة على العالم عبر حقنها بفيروس قاتل وإفلاتها لتدمر كل ما تصل إليه وتقتل كل من يلامسها حتى بعد موتها.
– وهل تعتقد حقاً بعد كل جهودك واختباراتك أنك مدرك لعالم الفئران تماماً؟
دعاها إلى جولةٍ في مختبره الذي لم يدخله غيره قبلها لترى عن كثب جبروت ما توصلت إليه دراساته وبحوثه. في مختبره، وأمام أقفاص فئرانه الفريدة، وبعد أن أشبعها شرحاً وتبياناً لكل جهوده وللنتائج التي يحفظها في سجله الكبير، فاجأته بسؤالها:
– وهل تعتقد حقاً بعد كل جهودك واختباراتك أنك مدرك لعالم الفئران تماماً؟
هزّ رأسه فوراً بالإيجاب الأكيد، وبابتسامة هزيلة وساخرة باهتة، يبدي فيها تواضعه بتكلُّف واضح، محاولاً أن يطرد من رأسه فكرة انتقاصها المتعمَّد من قَدْرِه ومن قدرته، بينما كانت تتابع بإصرار وتقول:
– لا يمكن لأي أحد أن يدرك عالم الفئران إدراكاً تاماً مهما امتلك من العلوم ومن القدرات. وباعتقادي أن الفأر من أكثر المخلوقات مراوغة وذكاء، ولا يُظهِرُ ذلك إلا في الحالات التي يضطر فيها إلى إثبات إمكانياته الهائلة دون تَباهٍ فارغ أو زُهوٍّ أجوف.
حاول أن يتجاوز قولها وأن يطمس جديتها، بينما تتركز نظراته على معطفها المزركش والغريب، قائلاً ممازحاً:
– هل تعلمين أنه ثمة جحور للفئران لا تحلم أن تسكنها فئات كثيرة من البشر، تماماً كتلك الجحور التي يعرضونها في حلقات (توم وجيري) الكرتونية على التلفاز؟
لم تُبدِ من طرفها أي مبالاة بما قال، بل إنها لم تبتسم لتمازُحه مجرد الابتسام. لكنها ردت:
– وإذا تمكنت بدورك من تحويل فئرانك هذه إلى أسلحة فتاكة كما تقول، هل ستجبر البشر على اللجوء إلى جحورٍ كالتي نراها في حلقات (توم وجيري)، أم تقصد بالجحور تلك الملاجىء التي يبنونها من الحديد والأسمنت المسلح بإحكام هرباً من تأثيرات الأسلحة النووية والكيميائية التي يرهبوننا باستخدامها كما نسمع في وسائل الإعلام عن الحرب في أوكرانيا وعن الأسلحة التي يستخدمونها اليوم في الحرب على غَزَّة، أو أنك ستلجأ إليها في الترويج لفئرانك وقدرتها على التدمير الشامل؟
اضطرب سواد أعماقه بكل ما فيه من ظلمة معتمة، وراح يفرك كفّيه ببعضها دون دراية منه أو انتباه، علّه يخفي شيئاً من التوتر الذي اعتراه من سؤالها. قالت من جديد:
– لذلك، هل تعتقد حقاً بعد كل جهودك واختباراتك أنك مدرك لعالم الفئران فعلاً؟
ردَّ بعصبيته الظاهرة وهو يختلس النظر إلى الفأر الميت في سلة مهملاته المذهبة:
– لقد سبق وسألتني ذلك من قبل.. فهل من جديد لديك؟
قابلت حِدَّتَه بابتسامة هادئة، وهي تضيف:
– أردت فقط أن أعرف فيما إذا كنت قد درست في اختباراتك مشاعر الفأر أمام قطٍّ جائع أم لا؟
ركبته موجةٌ من الذعر الشديد. تراجع إلى الخلف يبتعد عنها قليلاً، وهو ينكفئ إلى أعماقه يبحث في أغوارها عن طريقة مناسبة للرد على السيدة المجهولة، والتي لا تخفي تحديها له ولا استهانتها باختباراته الطويلة. زالت من ذهنه في تلك اللحظة الصورةُ الجميلة التي كان قد تخيَّلها أن تكون لها.
هذه السيدة المجهولة لا تختلف عن خصومه الذين يعارضونه ويحاربون طموحاته ليمنعوه من الوصول إلى هدفه المنشود، وها هي ذي تُسقِط القناع الجميل عن حقيقتها التي كانت تخفيها وراء ستارة زيفها الظاهر في التماعة عينيها الربيعيتين.
تماسك بشدّة، وصَرّ على أسنانه وهو يعترف لنفسه في داخله أنه لم يخطر له مطلقاً أن يدرس شعور فئرانه فيما لو واجهت في لحظةٍ قططاً تتضور جوعاً. وها هي السيدة صاحبة المعطف المزركش بخيوط ذهبية زائفة، مثلها، تضع كل دراساته واختباراته وإنجازاته في قلب العاصفة. وتراءى له أنه لابد أن يتحوّل إلى قِطٍّ متوحش وجائع، تجتاحه رغبة بافتراس كل ما يصادفه قبل أن يتحوّل هو إلى فريسة.
في اللقاء التالي، دقّق النظر في معطفها الغريب المزركش بخيوطه المذهبة، واكتشف أنه من نسيج صوفي عادي وبسيط تتخلل نسيجه بعض الخيوط الصفراء اللامعة والتي تُوهِمُ بأنها مذهّبة، وأن سواده الداكن يتداخل مع حمرة إطاره المحيط بشكل أنيق. لاحظ أن الإطار الكرزي الجميل ينسدل بانسيابية متناهية بدءاً من قَبّة المعطف في الأعلى وعلى أطرافها العديد من الريشات الملوّنة التي تحفّها، فتزيد من جمالية المعطف كله.
لم يستطع مقاومة فضوله وسألها عن نوعية ذلك الريش الذي يطوّق عنقها وينتثر على اكتافها بتداخل أنيق مع قَبّة المعطف الأسود وإطاره الكرزي الجميل. فأجابته بتلقائية:
– إنه من ريش البلابل والعصافير، ومن ريش طيور متنوعة.
شعر أن شمسه الغائبة ستعاود إشراقتها الدافئة من جديد، وأن ربيعاً سيتفجّر من قلب شتائه الطويل. قال لها وهو يبدي شفقة وأسفاً بالغين:
– لا بد وأنك قد قتلتِ الكثير من الطيور والبلابل والعصافير البريئة الوادعة حتى تمكنتِ من صنع هذه القَبَّة الجميلة التي تزين عنقك وكتفيك!!
ابتسمت، فظهرت بين شفتيها اللامعتين أسنانها المرصوفة في فمها مثل عقد لؤلؤي برّاق، وقالت تشرح له:
– أبداً، ولكني كنت أحتفظ بريشةٍ من كل طائرٍ أستطيع مساعدته على التحرّر من قفصٍ أو من شبكة، أو من شَرَكٍ وقع فيه. وكثيرة هي الطيور التي عالجتها حتى استعادت عافيتها واستطاعت الانطلاق نحو حريتها وفضائها، وتشكلت لدي مجموعة كبيرة من الريش الذي احتفظ به. لقد كنت حائرة ماذا أفعل بها دون أن أفرِّط فيها حتى اهتديت إلى فكرة صنع هذه القبَّة الجميلة لمعطفي بألوانها المتعددة بعد أن قمت بترتيبها على النحو الذي تراه وهي بألوانها الجميلة هذه يمكن أن تناسب كل المعاطف وتضفي عليها جمالاً وأناقة.. وجاذبية.
عاد الفشل ينهش أعماقه، وخبَت شمسُه من جديد، غابت تختفي في سراديب الغيوم التي كانت تحجبها من قبل. ما لبث أن عاد يؤكد لنفسه قدرته على متابعة اختباراته حتى تحقيق هدفه مهما واجهته المعوقات والتحديات، التي لن تنتهي إلا لحظة إعلان انتصاره الذي يسعى إليه.
دخل إلى قاعة مختبره الفسيحة، ففوجئ بالأقفاص المذهّبة قضبانها مفتوحة الأبواب وخالية من فئرانه الفريدة. هرع إلى السجل الضخم والكبير الذي يحتوي ملاحظاته ونتائج بحوثه وتجاربه، ليجد أن الفئران قد قرضت صفحاته كلها بأسنانها الدقيقة التي يعرفها جيداً.
(لــقــد ضـــاع كل شيء)
تهاوى بجسده فوق كرسيه الجلدي الوثير، غارقاً في اجترار آلام فشله النهائي وضياع جهوده وأحلامه، وتردد في سمعه صوت السيدة المجهولة تسأله:
– هل تعتقد حقاً بعد جهودك واختباراتك أنك مدرك لعالم الفئران تماماً؟
سطعت الشمس خارج مختبره رغم الغيوم المتزاحمة في السماء وفي الأفق، وتناهى إلى سمعه تغريد البلابل وزقزقة العصافير وهديل الحمائم وهي تغنّي بفرح، بينما كانت شمسه تنسج له بأشعتها المُذهَّبة قضباناً جديدة في أعماقه التي لم تتوقف العتمة عن التمدد فيها.
د. علي أحمد جديد