اللغة العربية بين واقع راهن وطموح مؤمّل للكاتب محمود محمد أسد

إنّ الدافع الأساسي لهذا البحث إحساس عميق بأنّ لغتنا العربية تمرّ في مأزق وامتحانات لا تبشِّرُ بخير إن لم نحسن الاستعداد للخوض في غمارها. والدافع الأهمُّ إحساس قوميّ بمكانة اللغة العربيّة ودورها في تطوير الفكر وإنماء شخصيّة الإنسان العربي وبناء كيانه للخوض في معترك الحياة.

أتناول في هذا الموضوع أهميّة اللغة ودورها الحضاري والفكري خلال مراحل التاريخ، والإشادة بفضلها ومحاسنها، وكشف أسرارها، والتعرّض لخصومها من قريب أو بعيد، والوقوف عند جوانب الضعف وأساليب علاجها.

دورُ اللغة وأهميتها

إنّ للغة أهمية لا تخفى في نشوء الأمم؛ فهي أداة التفاعل بين أفراد المجتمع، والرابطة القوية التي تصهر أبناءه في بوتقة المحبة واللقاء والتفاهم. وهي مستودع تراث الأمة وجسر للعبور من الماضي إلى الحاضر، ثم من الحاضر إلى المستقبل. وهذا ما دعا إليه “ماكس مورو” فيقول:

“بِاللغة، وباللغة وحدها يندمج الفرد بالمجتمع، ويلتقي كل تراث الأمة الفكري والشعوري والأخلاقي والاجتماعي المنحدر والمنبعث من قرائح الكتاب والشعراء والمفكرين السالفين منهم والمعاصرين.”

إذ لا يمكننا أن نتغافل عن دور اللغة الاجتماعي. وأشار إلى ذلك الكاتب الألماني “هردر” الذي اعتبر اللغة القومية بمنزلة الوعاء الذي يتشكل به وتحفظ فيه وتنتقل بوساطته أفكار الشعب:

“إن لغة الآباء والأجداد مخزن لكل ما للشعب من ذخائر الفكر والتقليد والتاريخ والفلسفة والدين. ولكن قلب الشعب ينبض في لغته، وروحُه تكمن في لغة الآباء والأجداد.”

أمام هذه الإشارات والدلالات يمكننا الحديث عن أهمية لغتنا العربية ودورها الحضاري خلال العصور التاريخية والأزمات العصيبة التي مرت بها الأمة العربية. فيذكر الدكتور عمر الدقاق في كتابه “الاتجاه القومي في الشعر العربي الحديث”:

“اللغة وسيلة للتفاهم تُوثِّق العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، وتقرّب بين مفاهيمهم وأنماط تفكيرهم، وتحمل إليهم تراث الأجداد، وتودِع في ميزاتها سماتِهم المميّزة ووجدانهم الجماعي المشترك.”

فالجانب القومي المحض في لغة الضاد يتجلى في كونها لغة العرب القومية، وعماد شخصيتهم المتميزة، ولسان أجدادهم القدماء منذ ما قبل الإسلام، وحاملة تراثهم وناقلة تاريخهم ومعقل كيانهم.

ومن هنا كانت هي السمة الأولى في البناء القومي للعرب. ولذلك كانت عرضة للحملات الموجهة من الداخل والخارج. فاللغة العربية تشدّ العربَ بعضهم إلى بعض. وهذا ما جعل الأدباء كتّاباً وشعراء يرفعون أصواتَهم مدافعين عنها داعين للمحافظة عليها. فأحمد شوقي يتغنى بجمالها وسحرها:

“إنَّ الذي ملأ اللغات محاسناً
جعل الجمال وسرَّه في الضاد.”

فميّزها عن غيرها من اللغات بما تملك من مواصفات. ومثله الشاعر المهجري أبو الفضل الوليد يعبّر عن هيامه باللغة العربية:

“ألا يا حبّذا لغةٌ تصبَّتْ
فؤادي في الغدوّ وفي الرواح
إذا لُفِظتْ كألحان المثاني
وإن خُطّت كأزهار الأقاحي
طربتُ لسمعها طفلاً وإنّي
لتطربني وقلبي لانفتاح.”

هذا الاهتمام باللغة العربية والاعتزاز بها لم يغب عن بال الأدباء. فكانت صلة الوصل بين أبناء العربية على الرغم من المسافات البعيدة والحدود المصطنعة. فالشاعر المهجري يؤمن بدورها ومكانتها ويخشى عليها من الضياع في المهجر:

“وصلتْنا بذوينا لغةٌ
لم تصلنا ببنينا الظرفاء
كلُّ حيوان حقيرٍ عالمٌ بلغاه وبنونا جهلاء
إن نقلْ قولاً فصيحاً بينهم
رددّوه بلسان الببّغاء.”

التغني بالعربية والاعتزاز بها

لقد تغنّى الشّعراء والأدباء بجمال العربية وبلاغتها، وآمنوا بدورها القومي؛ فهي صلة روحيّة ومعنوية بين أبناء العروبة، تنقل أحاسيسَهم وتعبّر عن أمانيهم وتجلو أفكارهم. فحليم دموس يرفع من شأن هذا الدور:

“لغة إذا وقعت على أسماعنا
كانت لنا برداً على الأكباد
ستظلُّ رابطةً تؤلِّفُ بيننا
فهي الرجاء لناطق بالضّاد.”

وهو الداعي لصيانتها وحمايتها لما بها من فضل ومكانة:

“وأنتمُ يا بني قومي أناشدكم
بمن به عزَّ انجيل وقرآن
صونوا حمى اللغة الفصحى فليس لكم
من دونها وطن يعلو له شان.”

إنها دعوة لحماية اللغة وصيانتها لأن قوة الأمم تكمن بلغتها. إنْ حفظناها نحفظْ جذورَنا وتاريخنا ووشائجَ تواصلنا. وهذه الدعوة أحوج ما نكون إليها الآن، وتبقى متجدّدة ما دامت اللغة تتعثر بين شفاه أبنائها وتتوه أمامهم دون أن يأخذوا بيدها.

إنّ للغتنا العربية دوراً قومياً كبيراً في بناء شخصيّة الإنسان العربي؛ فهي قادرة على استيعاب أفكار جميع الناس: المثقف والمتعلم والبسيط. وهذا ما عبّر عنه المفكر الأرسوزي عندما قال:

“إن اللغة العربية تتألف من صورة صوتية ومن خيال مرئي، ومن معنى هو قوام تآلفهما. والكلمة هي التي تربط بين المفاهيم العقلية والمدلولات الحسّيّة. فاللفظة لا تؤدي دورها عبر جزئياتها الحرفِ والحركةِ والإيقاعِ، بل هيَ كيانٌ واحد. والحرف العربي بدوره يتمتع بقدرة بلاغية، ويغلب أن يقوم بها الحرف الألف الأوّلُ والأخير.”

وهذه اللغة اعتزّ بها العربي ووقع أسير حرفها، وزادها مكانة وقدراً القرآنُ الكريم ومعجزتُه البلاغية الشاملة في عصر اعتزّ فيه العرب ببيانهم وفصاحتِهم. فالقرآن كتابُ تشريعٍ وأدبٍ وعلم شامل. هذه اللغة نالت الحظوة عندما وجدت رجالاً بارعين مؤمنين بدورها. فانتشرت في بقاع المعمورة لغة عالمية تحمل حضارة العرب وفكرَهم.

خواص اللغة العربية

من خواص اللغة العربية ومحاسنها أنها أقرب من سائر اللغات إلى قواعد المنطق؛ فهي تؤدّي وظيفتها بشكلين متكاملين. أولهما الشكل الوظيفي الذي يأتي بصورة رمزية علمية تقريرية تؤدّيها الكلمات عبر إشارتها إلى حقائق وأشياء معينة. والشكل الآخر وظيفتها الانفعالية لأنها تعبّر عن المشاعر والأحاسيس وتثيرها وتنقلها من إنسان لآخر.

وقد أجاب الناقد الأستاذ محيي الدين صبحي عندما سئل: لماذا استطاعت العربية أن تصمد صموداً عنيداً أمام جميع التحديات الاستعمارية التي مرت على الأمة العربية خلال مراحل التاريخ؟ فأجاب:

“إنها مدينة للحضارة الإسلامية التي تمتاز بالشمول والسموّ والاستمرار. فهي حضارة دينية وأخلاقية، وحضارة تشريع وفلسفة واجتماع وسياسة وتربية. حوتها اللغة العربية. فكلُّ العناصر والأجناس صّبَّتْ في بوتقة اللغة العربية ونهلت منها. وهذا لم يحصل إلا بفضل قاموسها اللغوي وبنائها للكلمات والعبارات واهتمامها بالنحو والصرف. فهي أداة نضال وتطور للمجتمع، وهي سجلُّ الأحداث الاجتماعية.”

وإذا أردنا البحث عن أزمة الثقافة والحضارة والمثقفين، فعلينا أن نبحث في أمر اللغة ونقف عندها؛ لأنها الحجر الأساسي في بناء صرح الحضارة. فاللغة من عوامل الوحدة الثقافية التي يتفاعل الإنسان معها، فيأخذ منها ويعطيها. ولا يمكن للغة أن تنتعش وتؤدي دورها إلاّ في مناخ فكريٍّ سليم، لما للفكر من أثر عظيم في اللغة. فالفكر هو الذي يربط الألفاظ بمعانيها، فيعمد إليها وهي أصوات فارغة فيردُّها كالأصداف تحمل من دُررَ المعاني ما يبهر العقل، وكالأغصان تحمل من الثمار ما تشتهيه النفس. والفكر يُدخل فيها كلمات جديدة عندما يشعر بحاجة إلى ذلك. فلا يُرفعُ شأن اللغة إلا بوجود رجال ذوي عقول نيِّرة وقرائح جيدة.

ولا يمكن أن نتغافل عن العلاقة العكسية بين اللغة والفكر. فاللغة تُؤثِّرُ في الفكر من حيث التنسيقُ والشرح والمعاني والاستعانة بها على بسط المعاني بمفردات مناسبة. وهذا ما نلاحظه في أسلوب التدريس بشكل خاص. فاللغة تصوَّر ما يخطر في الفكر من المعاني. والأفكار التي لا تودع في الألفاظ ولا يعبّر عنها كالشرارات التي لا تبرق إلا لتموت.

واقع اللغة اليوم وتساؤل مصيري

بعد هذه الوقفة عند اللغة وأهميتها ودورها الحضاري والاجتماعي، لابد أن نتساءل جميعاً بصراحة: هل لغتنا العربية بخير؟ هل لغة أجدادنا وتراثنا بخير؟

يقيني أن الجواب ليس صعباً، وعلى رؤوس ألسنتنا ومعروف لدى الجميع. إن اللغة العربية تتعرّض لهجمات متعددة ومتشعّبة: من الداخل من أعزّ أبنائها وممن ينطقون بها، وممن يدّعون الدفاع عنها والاعتزاز بها. وهذا يأتي على نحو عفويّ أو على نحو مقصود عبر تلك الحملات التي تُوَجَّه إليها وترميها بالتقصير والجفاف والعقم وعدم قدرتها على مواكبة العصر.

وكذلك تتعرض لهجوم من الخارج يزعم أنها لغة تراثيّة سلفيّة لا تتناسب مع روح العصر والمبتكرات العلمية، وغير ذلك من الأقاويل التي يأخذ بها الجاهلون بطبيعة لغتنا وغناها.

فلغتنا العربية تخوض معاركها على عدة جبهات، وفي مقدمتها الجبهة الثقافية والاجتماعية والقومية. تقف في وجه الدعوات الإقليمية التي تنادي بالأخذ باللهجات المحلية. وتحاول أن تثبت وجودها كعنصر أساسي من دعائم أمتنا العربية. فلا يمكن أن تنتصر في هذه المعارك إذا لم نحمل عنها العبء الأكبر في التصدي والمواجهة.

الكاتب محمود محمد أسد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *