عرفتُ جبل اللويبدة منذ سنواتٍ طويلة، وكان أشبه بصفحةٍ من كتابٍ قديم، صفحةٍ مسطّرة بالحنين ومبلّلة برائحة البنّ والريح الخفيفة التي تهبّ من غرب عمّان كأنها تمسّد وجوه العابرين.
مدينةٌ تتكئ على كتف جبل، والجبل يتكئ على ذاكرةٍ لا تهرم، على أصواتٍ مرّت عبر الأزمنة، وعلى قصصٍ تُروى في صمت الحجارة. وحين بدأت رحلتي في الأزقّة، شعرتُ أن شيئًا من روحي يعود إلى مكانٍ فقدته في زواريب الزرقاء، كأن خطواتي القديمة تستيقظ من نومها الطويل، وكأن المدينة تتنفس معي، وتهمس باسمي حين أسير في صمتها.
الأزقّة هنا ضيّقة، تتلوّى بين البيوت كما تتلوّى الحكايات. كل حجرٍ فيها له وجه؛ صلبٌ لكنه يخبّئ بين شقوقه دمعًا وضحكًا وأسماءَ من مرّوا هنا قبل سنواتٍ طويلة. وعلى بعض الشرفات ضوءٌ أصفر خافت، يلمحك من بعيد كأن صاحب البيت خرج قبل قليل ليعود، ولا يزال الضوء ينتظره. وبين هذه الأزقّة، كنتُ أشعر أنني أدخل في طبقةٍ أخرى من الحياة، طبقةٍ أهدأ، أعمق، وأصدق، طبقةٍ تشبه الزمن الذي لا يمر، زمنًا يحتفظ بكل شيء، لا ينسى أحدًا، ولا يغلق بابًا أمام أي روحٍ تاقت أن تعرفه.
وعند أحد التقاطعات، تخيّلتُ مؤنس الرزاز يسير بين الأزقّة. لم يكن مجرد ذكرى على جدار أو صورة في كتاب، بل كان حاضرًا حيًّا في خيالي، يمرّ ببطء، يلمس الحجارة القديمة، يبتسم للأطفال، يصافح المارّة، ويملأ المكان بوجوده. وكنتُ أحمل بين يدي روايته «متاهات الإعراب في ناطحات السحاب»، وأشعر أثناء السير بين الأزقّة أنه يشاركني كل خطوة.
كل حرفٍ من الحكاية ينبض بروح اللويبدة. مؤنس، ابن هذا الجبل، كان يهمس للحياة أن الكلمات، مهما اختفت عن الصفحات، تبقى معلّقة في الهواء، حيّة كأنها جزءٌ من الجبل نفسه، جزءٌ من الزمن الذي لا يموت، من الحنين الذي لا يزول، من المكان الذي يستقبل الجميع ويحتفظ بهم.
روّاد المكان، سواء كانوا شبابًا يمسكون الأقلام أو رسّامين يحاولون التقاط روح الأزقّة، كانوا يشعرون بحضوره، وكأن رؤيته تضيف هالةً من الحنين والاعتداد بالمكان.
«تخيّل أن مؤنس هنا معنا… يسمع كل كلمة نكتبها»
وليس غريبًا أن بعض الكتّاب، حين وقفوا في الأزقّة أو جلسوا على الأرصفة القديمة، شعروا أن حضور مؤنس الرزاز يرافقهم، يملأ الصفحات البيضاء، يوجّه الأقلام، ويذكّرهم أن الكلمات ليست مجرد حروف، بل روحٌ تُزرع في حجر المكان.
كنتُ أشعر وأنا أمشي أن مؤنس لم يترك اللويبدة، بل بقي فيها:
في صوت الريح بين الشرفات،
في ضحكة الأطفال،
في انعكاس الضوء على الجدران،
وفي كل زاويةٍ من أزقّتها التي تعرف تاريخها أكثر مما يعرفه البشر.
وفي كل نسمة هواء تحمل أسماء أولئك الذين رحلوا ولم يرحلوا في الذاكرة.
مع كل خطوة على دروب اللويبدة، شعرتُ أن الزمن هنا لا يسير بشكلٍ خطّي. الأزقّة تصطفّ على طول الشوارع وتفتح أبوابها للغرباء كما لو كانوا جزءًا من المدينة منذ الأزل. رائحة الخبز والدخان الرفيع من السجائر القديمة يرقص في الهواء وكأنه يعزف لحنًا هادئًا يرافق خطوات المارّين.
وفي قلب هذه الأزقّة يظلّ مؤنس الرزاز حاضرًا، ليس بحضوره المادي فقط، بل بروحه التي تملأ المكان، تُلهم الرسّامين، وتربّت على كتف كل من يكتب أو يرسم، كما لو أن الجبل نفسه يهمس لهم:
«هنا تكملون ما بدأناه»
وكأن الجبل والجدار والحيّ بأكمله يشاركوننا هذا الحوار الخفي بين الماضي والحاضر، بين الغياب والحضور، بين كل من رحل وكل من بقي.
البيوت القديمة على جانبي الأزقّة لا تزال تحكي قصص سكّانها. نوافذها الحديدية المتهالكة تحمل صدأ الزمان، والأبواب التي لم تُغلق منذ سنوات تخفي وراءها أسرار أجيالٍ كاملة. وعلى الأسطح يجلس النساء والرجال، ينظرون إلى الأسفل وإلى الأزقّة، وكأنهم مراقبون صامتون لأرواح المدينة الصغيرة، وكأن الزمن توقّف عندهم، أو ربما هم الذين جعلوا الزمن يتوقّف ليحتفظ بكل شيء: بكل ضحكة، بكل دمعة، بكل حكاية.
أدركتُ حينها أن اللويبدة ليست مجرد جبل أو حيّ قديم، بل هي قلبٌ نابض. كل زاوية، كل بيت، وكل ركن يحمل في داخله ذكرياتٍ لا تُمحى. ومؤنس الرزاز، كرمزٍ حيّ لهذا المكان، يظل حاضرًا في الروح قبل العين، في الحكاية قبل الورقة، وفي كل لحظةٍ من حياة اللويبدة، كأنه يقول لكل من يأتي ويغادر:
«هنا لا ينسى أحد، وكل قلبٍ يجد مكانه».
حين غادرتُ اللويبدة، شعرتُ أنني أحمل جزءًا من روحها معي: الأزقّة، البيوت، وجوه الناس، وحضور مؤنس الرزاز، مع حملي لروايته «متاهات الإعراب في ناطحات السحاب».
كانت مثل رسائل مختبئة تناديني أن أعود يومًا لأسمعها، لأرى الجبل يروي نفسه من جديد.
وهكذا يظلّ جبل اللويبدة حيًّا، يتنفس، يحكي، ويصعد بروح كل من يحبّه، ويمنحنا نحن المارّين فرصة أن نكون جزءًا من قصةٍ لم تنتهِ بعد.
الكاتب أحمد عبيدات