العربي بطبيعته مشدود للتاريخ / للماضي، حتى أنه أصبح يقدسه، يعتبره جزءاً من العقيدة، من تكوينه النفسي والفكري. فمن خلال تعلقه بالأمجاد الماضية، يحاول الهروب من واقعه البائس، وتعويض الذل / الانحطاط / الهزائم / الفقر الذي يعيشه الآن. من هنا تجدنا دائماً نعود إلى الماضي – لاحظ كلمة (نعود) – التي تحمل معنى شيء انتهى، شيء كان ولم يعد موجوداً، أو لا نستطيع الحصول / الوصول إليه.
والماضي بالنسبة لنا (كان) يحمل عبراً وحِكماً، وهذا يستوجب علينا الاستفادة منه:

“أن من يتعلم التاريخ ولا يستفيد من تجاربه يكتوي بلعناته المتراكمة عبر الزمن” (ص35).
مثلاً، عندما علمونا أسباب سقوط الأندلس وبعده سقوط المشرق العربي، قالوا لنا سببه الفرقة والتمزق الذي كان بين الحكام، وكيف أنهم تحالفوا مع الأعداء ضد بعضهم. فكانوا بذلك مثلاً للآخرين / للاحقين. فاستفاد منهم ميكافيلي في كتابه “الأمير” عندما تحدث عن التحالفات: “إذا استعنت بدولة قوية تبتلعك، وإذا استعنت بمرتزقة يخربون الإمارة”. وهذا ما جعل “خالد” – بطل الرواية – يقول:
“يفعلون أي شيء إلا التحالف مع أعدائهم” (ص104).
لكن واقع حكامنا / (ثوارنا) اليوم تجاهلوا حكم الماضي وما قاله “خالد”، وأبقوا لنا أمجاداً غابرة، نتغنى بها لنعوض بؤسنا، أو لنتسلى بها، أو لنظهر أنفسنا (حكماء) هذا الزمان!!
مقدمة لا بد منها
لأنها متعلقة بأحداث الرواية. فالرواية تتحدث عن واقعنا (الربيع العربي) في سورية، وتحديداً مدينة حلب التي خرج منها “خالد الرومي” عبر رحلة الموت البحري، ليصل إسبانيا وهو بين الحياة والموت – وهذا مؤشر رمزي – عن الحاضر القاتل، والماضي الميت. فبوصوله إسبانيا يكون “خالد الرومي” بين حاضر قاتل، وبين ماضي ميت / منتهٍ.
في إسبانيا يطلع على أمجاد أجداده وتخاذلهم، وكيف فرطوا في أجمل بقاع الأرض وأكثرها علماً ومعرفة ورفاهية وازدهاراً. فكما فرطوا أهله / شعبه في حلب التي كانت الأكثر بهاءً في سورية، فأمسيت الأكثر خراباً وقتلاً وتشريداً واستباحة. وبهذا يكون “خالد” بين نارين: نار واقعة دفعه لهجرة حلب، مدينته التي عشقها، وبين ماضٍ عريق يتحسر على رؤيته وهو يرى مدناً زاهية خاوية من أهلها.
البحر
يفتتح السارد الأحداث بتناوله البحر الذي كان بوابتنا للوصول إلى إسبانيا. فقبل الفتوحات العربية الإسلامية وصلنا كفينيقيين إلى إسبانيا وإيطاليا وجنوب فرنسا، وأنشأنا فيها مدناً قبل قرطبة وغرناطة: إشبيلية، وملقة. لكن السارد يقدم البحر بصورة المهزوم، الهارب من الموت والباحث عن النجاة:
“أتى منه الغزاة والآلام ومنه هرب الأعزاء والأمل، والبحر يسلب الأرواح ويلفظ الجثث” (ص5).
هذه الصورة للبحر تعكس حال “خالد” وما مر به من ويلات، دفعته للركوب قارب الموت للنجاة من الموت.
وعن خروجه من فم الموت وكيف ولد من جديد:
“كم هي صعبة لحظة الخروج للحياة، تشبه تماماً لحظة الموت، وأصعبها كان عجزي عن إطلاق صرخة الميلاد التي يصرخها المولود” (ص15).
في هذا المقطع يحاول “خالد” الإشارة إلى أن نجاته / حياته الجديدة لم تكن (طبيعية)، بل ولادة قيصرية / ولادة معقدة، فيها شيء غير عادي. وهذا ما كان، فقد أخذ يبحث عن جدته “جويرية” والخريطة التي أخذتها معها إلى الأندلس، وفيها الطريق إلى مكان الكنز في وادي الغيم.
يعدينا “خالد” إلى ماضينا وكيف كان البحر وسيلتنا للنجاة من الموت. “إليسا” التي هربت من جور أهلها في صور، ركبت البحر وانطلقت إلى سواحل ليبيا وتونس وأسست مدينة “قرطاج” – أهم مدينة عرفتها الحضارة القديمة. فالبحر بالنسبة للسوري وسيلة موت وحياة:
“أشعر أننا نحن السوريين دمى وزعنا البحر هدايا ثقيلة الظل على البلاد الغربية” (ص147).
نلاحظ أن البحر يقوم بنفس الأدوار عبر التاريخ: الفينيقيين قبل الإسلام، في العصر الإسلامي هروب الأمويين إلى الأندلس، والآن هروب السوريين إلى الدول الأوروبية. من هنا البحر بالنسبة للسوري هو وسيلته للحياة / للانبعاث، وأيضاً سيلته للخروج من الجنة. فكما خرج الفينيقيون من إسبانيا، ومن مدينتهم الأهم قرطاج، ليكونوا مشتتين في أرجاء المعمورة، خرج العرب من الأندلس بنفس الطريقة، تاركين أمجاداً لا تمحى أو تزول، لكنهم هم من زالوا / مُحوا من المكان، ولم يعد لهم وجود، لا وجود بشري ولا وجود حضاري أو ثقافي.
الحرب الأهلية
أقذر وأشرس وأطول الحروب الحرب الأهلية. فنحن العرب ما زلنا ندفع ثمن الحرب الأهلية التي نشبت بين علي ومعاوية قبل ألف وأربعمائة سنة، وحتى أننا نعيد إشعالها بين فترة وأخرى. فالحرب الأهلية لا تمحى من الذاكرة إلا بصعوبة بالغة، خاصة في المجتمعات القبلية. وتكمن خطورتها أنها تضيع البلاد وتشتت العباد، وتفتح المجال أمام المجرم / الجاهل ليقود ويتحكم في مصائر الناس:
“أما زلت تزدريني وتحتقرني؟ أنا اليوم أمير الجماعة والآلاف يأتمرون بأمري، أما أنت ذليل تحت رحمتي” (ص90).
هذا حال الحرب الأهلية، خاصة عندما يتدخل الأعداء فيها، فيمدون هذا وذلك بأدوات القتل والخراب، لتمتد النيران أكثر وتبقى مشتعلة.
الدولة المدنية
قال “عبد الرحمن منيف” في كتاب “كريم مروة – حوارات حول الديمقراطية والاشتراكية والدين” عن خطورة هيمنة التيارات الدينية السياسية على المجتمع:
“أخشى ما أخشاه أن تكون هناك ثورات عمياء تأكل الأخضر قبل اليابس.”
هذا الكلام صدر عنه في عام 1986، قبل (الربيع العربي) بأكثر من عقدين. فلو أن الحاكم العربي يقرأ لأوجد البديل المدني، لكن العقل العربي بطبيعته متحجر، لا يقرأ ولا ينظر إلى المستقبل، فوقعت البلاد والعباد في شر “داعش” وما انبثق عنها.
تتحدث “نورا” عن أحد أسباب أمجاد العرب بقولها:
“عندما عم التسامح والانتماء للوطن ساد العرب العالم، وعندما تسللت سموم الطائفية إليهم أضاعوا أنفسهم قبل ضياع البلاد” (ص110).
حتى التاريخ لو تقدمنا منه بعقل منفتح، لوجدنا أننا أقمنا دولة مدنية، ولم نقم دولة دينية. حتى دولة النبي محمد (ص) في المدينة كانت تساوي بين كافة المواطنين (المسلمين، المسيحيين، اليهود، الوثنيين) ولم تفرق بينهم. لكن كل الجماعات الدينية السياسية التي تعتبر نفسها حامية للإسلام وتمثل المسلمين، ألغت كل من لا ينتمي لها، واعتبرته كافراً، وعليه الخضوع ودفع الجزية، أو مغادرة البلاد. وأكثر من هذا تم التعامل مع النساء على أنهن سبايا / جواري من حق المسلمين التمتع بهن وبيعهن!!
الشكل والمضمون
من هنا يحاول السارد تبيان أهمية تقديم المضمون / الجوهر على الشكل. ففهم التجديد مهم في حياة المجتمع، ويجب أخذه والعمل به. “جويرية” أخذ الناس يتبركون بها وبيرقها، مما حدى بالأمير أبي بكر بن يحيى بن تاشفين يخاطبها قائلاً:
“لا يستقيم ورعك مع حمل الناس على البدع، وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وقد أصبح مزارك مقصد الخلائق والشيع، ووالله إنا لنخشى أن يصبح ما يقرب به الخلق إلى الله سداً، وكما زاد ارتباط الناس بما يتقربون به إلى الله قل رابطهم بالأصل، وإذا طغت العلاقة بالفرع على العلاقة بالأصل زادت العصبية، وأطلت الجاهلية فلا يزال الناس يتشبثون بالقرابين حتى تصبح أصنامهم.”
ونهضت ملكة الحرير من مجلسها وقالت:
“أيها الأمير، إنما تخرج الناس من جاهليتها بكتاب الله ولواء المعارك ضد الفرنجة، وهل ينقص الناس جاهلية. وهل هناك أكثر جاهلية من الفرقة والطائفية، التي أضاعت البلاد، وشرعت الأبواب للأعداء لدك الحصون وسفك دماء العباد” (ص215).
نلاحظ أن الأمير تمسك بالشكل، بينما “جويرية” تمسك بالجوهر، بالمضمون. وعندما خاطبت الأمير أوضحت له أن الحفاظ على الإسلام والمسلمين يكون بأمرين: التمسك بكتاب الله، ومواجهة الأعداء عسكرياً. وهذا يمثل دعوتها إلى تجاوز الخلافات الشكلية، والاهتمام بالجوهر، الاهتمام والتركيز على قتال الأعداء.
هذا الأمر تجاهلته كل التيارات الدينية السياسية الإسلامية التي ركزت ودعت إلى (تطهير) البلاد من البدع والكفرة، ومن أهل الكتاب، ومن كل من لا يتفق معها. حتى التيارات الدينية الأخرى بالنسبة لها كافرة، لأنها هي فقط الفئة الناجية والبقية هالكة. وهذا يؤكد أهمية ما طرحه “عبد الرحمن منيف” من خطورة الأفكار الدينية على المجتمع وعلى البلاد.
“ماري” تشخص حالنا في المنطقة العربية بقولها:
“أنتم الشرقيون تعاندون الحياة… تائهون بين الحياة المدنية التي تعطي هامشاً واسعاً للحرية وبين الحياة الدينية المتزمتة، تكبلون أنفسكم بالتدين، وتمارسونه بصورة لن تشرع أصلاً، يمنعكم الدين والعادات من علاقة جميلة مع فتاة ويدفعكم لسفك دماء بعضكم المحرمة، بل أكثر من ذلك يدفع بعضكم للاغتصاب وبيع النساء” (ص234).
إذا ما توقفنا عند ما قالته “ماري” سنجد فيه حقيقة مرة، حقيقة أننا نحرم الحديث / اللقاء مع فتاة في مكان عام، في المقابل نمنح أنفسنا حق اغتصابها وحتى بيعها، فهن سبايا والإسلام حللهن لنا!! بهذا الشكل تكشف لنا “ماري” الفرق بين التمسك بشكل الدين، وبين العمل بجوهر الدين، جوهره الإنساني الحضاري.
الغرب والشرق
تتناول الرواية الفرق بين الشرق والغرب، فهناك فروقات جوهرية بينهما. فالشرق في عصرنا أمسى مكاناً للموت والقتل والجهل والضياع والانحطاط الشخصي والاجتماعي، بينما الغرب أصبح مكاناً للحرية والعزة والكرامة. يقول السارد عن “خالد الرومي” الناجي من بلاد الموت:
“بلاد ترزح في الظلام، أتى منها مشياً على أقدامه، إلى بلاد تحمل وتصنع نور التقدم والحضارة والعلم” (ص42).
هذه حقيقة علينا الاعتراف بها. فالمواطن العربي يجد الذل والفقر والظلم والقهر في بلاده، بينما يجد الكرامة والغنى والعدالة في الغرب. ولو فتحت أبواب الغرب لنا لن يبق في بلادنا إلا القليل. لهذا وجد “خالد الرومي” ذاته في الغرب، فقد استعاد إنسانيته ودوره في الحياة، بينما في وطنه كاد الموت أن يخطفه، كما خطف أخاه “وليد” من قبل.
النساء
إذا ما توقفنا عند نساء الرواية سنجدهن أكثر عدداً وفاعلية من الرجال. “ثيودور (عبد الله)” يقابله “جويرية وسليمى”. “خالد الرومي” يقابله “نورا وماري”. ولم يقتصر الأمر على العدد بل تعداه إلى الفاعلية، فـ “نورا” هي من أخرجت “خالد” من حالته النفسية وجعلته يستعيد نشاطه وحيويته.
ونجدهن قويات، قادرات على مواجهة الآخرين. “نورا” تواجه “حسن التلمساني” الذي حاول أخذها بالترغيب والترهيب، لكنها تصده وبقوة:
“تركي للعمل ليس من أجل ذلك، ولكنك اقتربت أكثر من اللازم من حدود حياتي الخاصة، وتدخلت دون حق بحياتي، أنا لست شيئاً يمكن أن تمتلكه بهذه الطريقة” (ص135).
أما “ماري” فنجدها جريئة أكثر من اللازم، حتى أنها منحت جسدها لخالد:
“كانت تستلقي في سريره وتتدثر بغطائه، قالت ربما هنا أكثر دفئاً، فتحت الغطاء فنكشف عن جسد عار” (ص232).
ونجدها مثقفة تعرف الكثير من الأمور:
“فقد شخصت حالة البلدان والشعوب العربية بعمق لا تمتلكه شابة بعمرها وخبرتها” (ص241).
وهذا يقودنا إلى أن المرأة ليست بأقل من الرجل، ويمكنها تجاوزه والتفوق عليه.
حبكة الرواية
الجمع بين الماضي والحاضر في عمل روائي مسألة في غاية الصعوبة، ويحتاج إلى تقنيات أدبية وقدرات فنية لتمريرها. وهذا ما فعله السارد من خلال عائلة “خالد الرومي” التي تمتد جذورها إلى الحروب الصليبية، عندما أنقذ جده “ثيودور” الطفلة “جويرية” من يد الفارس الصليبي، وهرب بها من مذبحة القدس إلى طبريا، وهناك يتم تحويل اسمه إلى “عبد الله” ولقب بالرومي.
على أثر (خيانته للرب وللحرب المقدسة) وقتله فارساً صليبياً، يتم تصفية عائلته في فرنسا: قتل زوجته، وأخذ ولديه وابنته إلى الكنيسة. وهذا ما دفعه للزواج من “سليمى” وتشكيل عائلة مسلمة عربية.
تمرض “سليمى” وقبل وفاتها تكتب وصيتها لزوجها “عبد الله”:
“أوصيك بالوصول إلى بئر مهجورة على مشارف معرة النعمان متى تسنى لك ذلك، وإن لم تستطع فاكتب أوصاف المكان وأورثها لولدنا ركن الدين وابنتنا جويرية ليأخذا ما دفنا فيه لدى هروبنا قبل سقوط المدينة” (ص72).
يستطيع “عبد الله” الوصول إلى البئر ويستخرج الكنز الذي يحتاج إلى عربة لحمله. وبما أن الحروب الصليبية ما زالت قائمة، يتم إخفاء الكنز في “وادي الغيم”.
يرسم “عبد الله” خريطة الطريق لوادي الغيم، وخريطة للوصول إلى مكان الكنز. يعطي “جويرية” خارطة الطريق، و “ركن الدين” مكان الكنز، بحيث لا يمكن لأحدهما الوصول إليه دون جمع الخريطتين معاً، ويدون ما فعله في وصية مكتوبة.
“ركن الدين” يبقى محتفظاً بالخريطة، تتوارثها عائلة الرومي. “جويرية” تتنقل إلى أكثر من مكان: مصر، ثم الأندلس، محتفظة بخريطة طريق وادي الغيم.
إذن هناك كنز موجود في وادي الغيم، طريقة الوصول إليه تحتاج إلى خريطة موجودة في سورية وتحديداً في مدينة حلب، وأخرى في الأندلس. وهذا ما دفع “خالد الرومي” الذي وصل الأندلس للبحث عن آثار جدته “جويرية”. وبعد البحث والتحري في كتب التاريخ والاستعانة بعلماء الأنساب، يستطيع الوصول إلى رفات “جويرية” ويجد الخريطة مرسومة كزخرفة على غلاف مصحف. لكن “خالد” يؤجل عملية الاستخراج إلى حين انتهاء الحرب المجنونة.
إذن الكنز كان مخفياً ولم يُستفَد منه، منذ أيام “سليمى وعبد الله” بسبب الحروب. وهذا يحمل دلالة رمزية، تتمثل بالحروب التي تحرم الناس من التمتع بالثروات / بالكنوز، عدا تنغيص حياتهم وتحويلها إلى جحيم. أعتقد أن هذا ما أراد تقديمه السارد في رواية “وادي الغيم”.
الكاتب والناقد رائد الحواري