لو أقمنا استفتاء حول صورة المخابرات العربية سنجدها صورة قاتمة، وهذا يعود إلى طبيعة دورها في قمع المواطن ومطاردته ومحاصرته، وأكثر من هذا اعتقاله دون محاكمة وحتى قتله، من هنا يمكننا القول: إن تقديم عمل روائي يقلب هذه الصورة يعد استثناء، وهذا ما وجدناه في رواية “من جبل الجرف إلى تل أبيب” حيث يقدم السارد صورة إيجابية عن دور المخابرات الجزائرية، ودورها في كشف خلية تعمل لصالح المخابرات الفرنسية والموساد الإسرائيلي.
“خالد” بطل الرواية يتم إفقاده الذاكرة حتى يستطيع تجاوز الأحداث التي مر بها، حيث تكون زوجته زينب / راعوت صاموئيل عميلة للموساد، وابنه “ياسين” انضم للجماعات التكفيرية (القاعدة)، من هنا تم إفقاده الذاكرة، لكنه يصر على معرفة ما جرى له، فيقرر مواجهة الحقائق والواقع رغم ما يحمله من مآسٍ وألم.

تخبره الممرضة ناتالي / فاطمة وهو راقد في إحدى مشافي فرنسا بشيء من وضعه، وأنه فاقد للذاكرة، وأن عليه عدم إرهاق نفسه في الماضي، لكنه ينطق اسم ياسين دون وعي، وهذا ما فتح أمامه الباب لمعرفة من هو وماذا جرى له ومعه.
وهنا يدخل “جود” على الخط حيث يعطيه بعض الإجابات عن ماضيه، مؤكداً له أن معرفة الماضي تحمل الألم، لكنه “خالد” يصر على المعرفة واستعادة ماضيه. بعدها يقابل مجموعة من الشخصيات: يوسف، يونس، جمال، ضابط المخابرات، العميد مختار، قسام ياسين، غيث، التلمساني، وكلها ساعدته في استعادة ذاكرته، ومنها من ساعده في الوصول إلى مقر الموساد وتفجير قنبلة داخله، ثم انسحابه وعودته سالماً إلى فرنسا، وبعدها إلى الجزائر.
طريقة عرض الأحداث
السارد (يتجاهل) الخوض في تفاصيل دخول “خالد” مقر الموساد وتفجير قنبلة داخله، تاركاً للمتلقي في حيرة، وهذا يُحسب على الرواية وليس لها، فكان يجب التوقف عند كيفية دخول “خالد” إلى فلسطين المحتلة، ثم مقر الموساد، وكيف استطاع إدخال القنبلة وتفجيرها، ومن ثم انسحابه سالماً دون كشف هويته أو أمره، علماً بأنه قابل زوجته زينب / راعوت صاموئيل في المقر.
وهذه هفوة أخرى وقع بها السارد، حيث كان يجب أن يُعتقل وينكشف أمره، لكن يبدو أن السارد أراد تقديم صورة إيجابية للمتلقي بصرف النظر عن منطقية الأحداث وتسلسلها.
الإيجابية
هناك إيجابية أخرى في الرواية، وهي أن الأحداث تكشف لنا أن ياسين ابن خالد كان يتعامل مع المخابرات الجزائرية، وهي من أوعزت له الدخول إلى القاعدة لمعرفة ما يُحاك للجزائر من مؤامرات من قبل الأعداء، وأكثر من هذا نجد ياسين يتخلى عن أمه راعوت صاموئيل مؤكداً أن له أمًّا واحدة فقط هي الجزائر:
“نظر إلى أبيه بعيون ثابتة، بل هذا رأس الأفعى راعوت صاموئيل، لدي أم واحدة، هي الجزائر، وأب واحد هو أنت.” (ص82)
هذا الانتماء والمبدئية له أثر إيجابي على المتلقي الذي يفتقر لها في عالم امتلأ بالواقعية والمصالح الشخصية.
التناص
كما أن تضمين الرواية لحالة المسيح المصلوب:
“كانت صراخات ياسين تتردد في دماغه كأنه يستنجده: أبي، لماذا تركتني؟ لماذا لم تساعدني؟” (ص61)
هذا التناص مع حالة المسيح المستنجد بأبيه أعطى الرواية لمسة جمالية وعمّق حالة الألم النفسي التي يمر بها “خالد”.
كما أن السارد استخدم مقولة أنطون سعادة:
“إن الدماء التي تجري في عروقنا ليست ملكاً لنا، بل هي وديعة الأمة فينا، متى تطلبها وجدتها.”
بطريقة تخدم النص وإصرار “خالد” على معرفة الحقيقة ومحاربة الأعداء حتى النهاية:
“إن الدماء التي تجري في عروقه لا تنبض إلا من أجل الوطن، بل إن حياته التي سخرها كلها لخدمة وطنه.” (ص68)
من هنا يمكن القول إن السارد استطاع تجاوز هفوات الحبكة من خلال تضمين الرواية مشاهد تقود القارئ إلى عوالم أعمق.
الحكم
بما أن الرواية تتحدث عن المخابرات وطرقها القذرة، فكان لا بد من تبرير للقسوة التي مر بها “خالد”، فجاءت الفقرة:
“لا أحد يدخل بيت العنكبوت دون أن يتأذى.” (ص71)
وهي تمثل صورة واقعية عن حال كل من يتعامل مع المخابرات، فهناك ضريبة كبيرة يدفعها العامل في هذا النوع من الأمن.
الرواية من منشورات أدليس بلزمة للنشر والتوزيع، الجزائر، الطبعة الأولى 2025.
الكاتب والناقد رائد الحواري