المرأة في الأدب قضية مفتوحة دراسة للكاتبة سمية الإسماعيل لنص شهادة مستحيلة لـ الأديبة التونسية حبيبة المحرزي


 القراءة النقدية:

كان اليونانيون القدماء يعتبرون المرأة أداة وآلة بيد الرجل، خلقت لخدمته ليلًا ونهارًا. هذه الرؤية الجاهلية خلّفت عادات تقلل من قيمة المرأة الإنسانية، ولا تزال بعض آثارها قائمة في المجتمعات حتى اليوم.

الأدب الذي يكتب عن المرأة في مجتمع ذكوري يسلط الضوء على قهرها وانشغالها بمتطلبات الآخرين. نصوص حبيبة المحرزي، بما فيها شهادة مستحيلة، تعكس هذا الانحياز للمرأة وقضيتها.

في النص، تسعى الكاتبة لتسليط الضوء على معاناة الأم العاملة، وكيف أن الأدوار الاجتماعية المفروضة عليها تتحوّل إلى عبء ثقيل يؤدي أحيانًا إلى مأساة، كما نرى من خلال قصة الطفل الرضيع الذي يموت بسبب الانشغال المفرط لأمه.

أهم النقاط النقدية:

  1. السارد والوجهة السردية:

    • اختارت الكاتبة الطفل الرضيع ليكون السارد بضمير المتكلم، مما يعطي النص بعدًا عاطفيًا ودراميًا عميقًا.

    • القارئ يرى الأحداث من منظور الضحية الصامتة، ويشعر بالعجز المأساوي لكل من الطفل والأم.

  2. تقنيات السرد:

    • السرد المتقطع والمتوتر: تعرض الأحداث كمشاهد متلاحقة سريعة تعكس الضغط النفسي على الأم وانشغالها.

    • المفارقة (Irony): الطفل الرضيع يموت بينما تُلبّى احتياجات الآخرين، والأم تعتذر للجميع دون أن تعتذر لنفسها أو لطفلها.

    • الرمزية: اللبن المسكوب يرمز إلى الرعاية الضائعة، والعصفور الأبكم رمز للطفل، والثقل الذي يسقط على الطفل يرمز إلى أعباء المجتمع.

  3. الشخصيات:

    • الأم: ضحية الظروف المجتمعية، تتعامل مع أعباء متعددة بلا توقف، محاولة إرضاء الجميع دون أن يكون لها حق الراحة.

    • الأب: يمثل امتياز الذكورة، أناني، لا يشارك بأي مسؤولية، ويهتم بنفسه أكثر من الآخرين، حتى في لحظة مأساوية.

    • الأخت والعصفور: تجسيد للتفاوت في اهتمام الأسرة بالأولويات، بينما الرضيع يُهمش.

  4. المدرسة الأدبية:

    • ينتمي النص إلى المدرسة الواقعية النقدية مع لمسات الواقعية السوداء، حيث تُعرض الحياة اليومية للمرأة بأسلوب قاتم، يظهر استهلاك المجتمع لطاقتها حتى الموت.

  5. الغاية السردية:

    • نص صرخة ضد مجتمع أبوي يستنزف المرأة.

    • يعرض قضية جوهرية بحساسية ودقة، ويترك القارئ في حالة صدمة وحزن، وهو دليل نجاح الكاتبة في توصيل معاناة المرأة والفقد والظلم الاجتماعي.


 مقتطف من النص:

شهادة مستحيلة
أودعتني أمّي المحضنة ومضت مغضّنة الملامح بعد أن أوصت بي خيرًا كلّ المربّيات خاصّة في هذا اليوم المخضرم.
تمضي أمّي متعثرة، تتلفّت خلفها، خيط وهمي شفاف يربطنا رغم الضوضاء.

تدخل مكتبها لاهثة فتتلقّفها زميلتها:

لم تأخّرت الأستاذ يسأل عنك.

تهبّ إليه، تسلّم فيرد ببرود:

ستذهبين إلى محكمة الاستئناف لتطلبي تأجيل القضية… ثمّ تسرعين إلى شركة التأمين لاستخراج الوثائق…

تحتضن الملفّات وتنقذف في الطريق، بينما ينزّ اللبن من صدرها على الأرضية العفنة، تحاول الموازنة بين كل المهام اليومية.
الطفل يراقب، يشعر، لكنه عاجز عن حماية نفسه أو والدته.

“وسيُلومونها ويتّهمونها بقتلي تقصيرًا وتهاونًا. سيبكي أبي من أجلي، وستقف هي خسيسة ذليلة، وأعجز عن الدفاع عنها عجزًا أبديًّا.”


الكاتبة سمية الإسماعيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *