المكان في مجموعة “حين تموت المدن” ل صلاح دهني – قراءة تحليلية للكاتب والناقد رائد الحواري

انعكاس المكان على النص:

يُعد المكان عنصراً محورياً في مجموعة “حين تموت المدن” لصلاح دهني، إذ يعكس طبيعة الأحداث وحالة الشخصيات النفسية والاجتماعية. فالمكان الواسع يوحي بالحرية والانفتاح، بينما المكان الضيق يخلق شعوراً بالاحتجاز والضغط النفسي. هذا التباين يظهر بوضوح في مجموعته بين القصص اليومية والحياة العادية، وبين قصص الحرب والصراع.

القسم الأول: الحياة العادية

يتألف من ست قصص، أبرزها:

  1. قصة العنوان: “حين تموت المدن”

    • يمتد المكان فيها من حيفا، دير الزور، درعا، ما يمنح القصة اتساعًا في الزمان والمكان، وتسمح بتطوير الشخصيات بشكل موسع.

    • يصف القاص الحياة في حيفا قبل الاحتلال: “أنها جنة حقيقية… عمل موفور لكل الناس، رخاء، سعادة، وئام بنحو ما” (ص20)، ويكرر هذا الانطباع في أماكن أخرى.

    • المدينة تموت برحيل أهلها وتهجيرهم: “حمل اليهود أهلها على أن يهجروها” (ص27).

    • سعة المكان تعكس سعة حياة الشخصيات، وحرية تحركهم، لكن النهاية تحمل الحزن على فقدان المدينة وروحها.

  2. قصص ضيقة المكان: “الوظيفة” و”موظف”

    • تدور في فضاء محدود، يمثل العمل والمؤسسات الحكومية.

    • يبرز القاص فساد الإدارة والبيروقراطية: “انتفخ العدد إلى سبعة… ورئيسنا القديم يحلف أنه كان يقوم وحده بالعمل كله” (ص58).

    • ضيق المكان يرمز لضغط الحياة العملية، ويعكس انكسار الفرد أمام النظام.

    • استخدام السرد بصيغة “أنا السارد” يسمح للقارئ بالاندماج مع شعور البطلة أو البطل، خاصة في مواجهة السلطة، لكنه يوضح أيضًا استسلام الفرد أمام الفساد.

القسم الثاني: حكايا حرب تشرين

يتألف من خمس قصص تتناول حياة الناس في القرى الحدودية مع فلسطين المحتلة:

  • يبرز القاص وحدة المجتمع وتكاتفه في مواجهة العدو: “خذوها نصيحة من تجربتنا نحن الفلسطينيين… ابقوا أرجوكم… فلنبق جميعنا، ولنمسك السلاح” (ص118).

  • دور الشعب السوري وتفاعله مع الجنود: تقديم الطعام والدعم، وتأمل الانتصارات مثل تدمير الطائرات بواسطة صواريخ سام (ص128).

  • المكان هنا ليس مجرد فضاء، بل عنصر فاعل في الحرب؛ الجغرافيا والمعالم التاريخية تعزز شعور الانتماء والمسؤولية الجماعية.

  • الشخصيات في هذا القسم أكثر توحدًا من القسم الأول، متجاوزة خلافاتها، وتركز على الصمود والمقاومة.مقارنة بين القسمين:

العنصر القسم الأول القسم الثاني
طبيعة المكان واسع أو ضيق حسب القصة متسع جغرافياً، لكنه مشحون بالتوتر والحرب
الشخصيات متباينة: فاسد، متردد، مضغوط متحدة، صامدة، متجاوزة للخلافات
أثر المكان يعكس حياة الفرد اليومية وضغطه النفسي يعكس الانتماء الوطني والمقاومة الجماعية
الطابع نقد اجتماعي، بيروقراطي وطني، مقاوم، ملحمي

خلاصة:

صلاح دهني يستخدم المكان ليس فقط كسياق جغرافي، بل كأداة لتفسير الحالة النفسية والاجتماعية للشخصيات. سعة المكان تعكس الحرية والفرص، وضيق المكان يعكس القيد والضغط. وفي قصص الحرب، يصبح المكان عاملًا أساسيًا في تشكيل وعي المقاومة والانتماء، مما يجعل المجموعة مرجعًا مهمًا لدراسة أثر المكان على النصوص الأدبية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.

المجموعة: منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، الطبعة الأولى 1976.

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *