النقد في صميم القصة القصيرة: تفكيك البنية السردية
ماجد القيسي
تُعد القصة القصيرة فن الإيجاز المكثف، مما يجعل نقدها مهمة بالغة الدقة تتطلب تفكيكًا لبنيتها السردية بعيدًا عن مجرد تلخيص الحكاية. الهدف هو الكشف عن الآليات الجمالية التي يحول بها الكاتب لحظة عابرة إلى عمل فني عميق.
آليات النقد الأساسية
يقوم النقد السردي على تحليل ثلاثة محاور رئيسية:
-
بناء القصة (الشكل): التركيز على كيفية بناء البداية والذروة، وخصوصًا النهاية التي غالبًا ما تكون في القصة القصيرة مفتوحة أو مفارقة، حيث يترك القاص التأويل للقارئ.
-
العناصر السردية: تحليل وظيفة الشخصيات (هل هي نامية أم مسطحة؟)، وكيفية تكثيف الزمن والمكان ليخدما فكرة القصة. والأهم، تحديد الرؤية السردية (زاوية السرد) التي يتحكم بها الكاتب في المسافة بينه وبين الحدث.
-
الأسلوب واللغة: دراسة لغة الإيجاز، والبحث عن الرموز والإيحاءات التي يعتمد عليها الكاتب لتوصيل دلالات عميقة في أقل عدد من الكلمات.
نموذج تطبيقي: “نظرة” ليوسف إدريس
تُقدم قصص رائد القصة القصيرة يوسف إدريس نموذجًا مثاليًا لتحليل البنية، حيث يتجلى التفكيك كالتالي:
-
الرؤية السردية: يعتمد إدريس على السارد المُشارك (“أنا”) من داخل الحافلة، مما يمنح الحدث بُعدًا إنسانيًا فوريًا وعميقًا.
-
الذروة والنهاية: تتركز ذروة القصة في لحظة محاولة الصبي المتسول الإمساك بالمانجة وسقوطه. ثم تُختتم القصة بـ “نظرة” مكثفة ومفتوحة بين الراوي والصبي، تختزل مأساة الطبقة الفقيرة في لحظة خاطفة.
-
وظيفة المكان: المكان (الحافلة مقابل الشارع) ليس مجرد خلفية، بل هو دلالة على الانقسام الطبقي، مما يضاعف من معنى القصة الاجتماعي.
إن النقد الأدبي في القصة القصيرة ليس حكمًا بالضرورة، بقدر ما هو كشف عن براعة الكاتب في تنظيم هذه العناصر الفنية المتقنة التي تحوّل الحكاية إلى عمل فني حي.
الكاتب ماجد القيسي