بدايةً من العنوانِ الأصلي والتجنيس الفرعيّ، اللذان يشكّلان أهميةً قصوى للمتلقي؛ فالعنوان هو ثريا النص، والتجنيس مهم لأنه يحدد هوية ما تقرأ. إذن، القراءة ستعنى في بدايتها بهذين العنوانين، ثم تُعرّج على تيمة الهم المعرفي في الرواية، الذي تجلّى بوضوح.
التجنيسُ مهم، وهو يُحدد هوية الكتاب الذي تتناوله قراءةً ودراسةً. وفي هذا الكتاب يضع الروائي حميد الحريزي جملة «الرواية القصيرة جدًا» كإشارة إلى ما يشتغل عليه، وهذا يحتّم على المتلقي أن يتأمّل معنى هذه الصيغة وهو يقرأ.

ولهذا، سنبدأ بالرأي في موضوعة الرواية القصيرة جدًا، التي أبدع فيها الحريزي عبر إصدار خمس روايات تنتمي إلى هذا النمط. وهذه الإصدارات تمثل قيمة نقدية عالية، كونها عيّنة تطبيقية يُمكن الاشتغال عليها.
خمس روايات تعني أن التجربة لم تعد محاولة عابرة، بل مشروع متكامل، مدعوم بالتنظير وبالتطبيق معًا. والمستقبل – كما يرى الناقد – يميل إلى التكثيف والاختصار، تبعًا لروح العصر وحاجته إلى النصوص المركزة. ولهذا تعد مبادرة الحريزي مواكبة للحياة الجديدة، ومنسجمة مع تطور الأجناس الأدبية.
إنّ مسألة القصير جدًا في الرواية فكرةٌ يطمئن لها الناقد، لأنها مؤيدة بالتطبيق والتنظير معًا، كما في كتابي الحريزي (الرواية القصيرة جدًا – رؤى 2024) ورواياته الخمس. لذلك يصبح الانحياز لهذه الرؤية أمرًا مفهومًا؛ فهي تجديد يُحسب للكاتب.
وبعد تثبيت الموقف من التجنيس، يتجاوز الناقد هذا الجانب لينتقل إلى القراءة الموضوعاتية، مختارًا الهمّ المعرفي تيمةً مركزية في الرواية.
الهذيان… والمعنى الأدبي
الهذيان في معناه المباشر كلام مفكك، والمحموم هو المصاب بالحمّى. لكن العنوان في الأدب ينفتح على دلالات أوسع؛ فهو ليس وصفًا مرضيًا بقدر ما هو تأويل.
الشخصية الرئيسة (حامد) لا تهذي لعلّة، بل يتمتع بعقلية نقدية واعية. ويبدأ الكاتب الرواية بوصف بليغ:
«كما تتهاوى ورقة صفراء على الأرضِ بفعل ريح عاتية، عجزت يده عن هشّ ذبابة أثارت طنينًا مزعجًا بالقرب من أذنه اليمنى…» (الرواية: 21)
الورقة الصفراء هنا ليست ميتة ولا حيّة، بل حالة هشاشة وضعف تتناسب مع العنوان ودلالته. ومع أن الرواية توحي بالحلم، إلا أنه حلم يقظة لا هذيان نوم.
الهمّ المعرفي… وانعكاسه على شخصية البطل
يتجلى الهمّ المعرفي في الرواية عبر استدعاء رموز فكرية كأبيقور، سقراط، ماركس، المعرّي… وهي أسماء تمثّل مخزونًا معرفيًا يعيش في ذهن البطل (حامد)، وتُبرز اغترابه الثقافي عن محيطه.
إنه يعيش بين أناس لا يشبهونه فكريًا. حيّ بين أموات.
ينقد العادات، طقوس الدفن، التلقين، والموروثات التي ترسخت بلا تمحيص. فهو شخصية مثقلة بالمعرفة، واسعة الاطلاع، غير قادرة على التأقلم مع مجتمع بسيط يرى الحياة بمنطق مختلف تمامًا.
الهذيان إذن ليس هذيان علّة، بل هذيان تفكّر وتدبر وتأمل.
والحمّى ليست مرضًا، بل حمّى الفلسفة والمعرفة.
العنوان بوصفه مفتاحًا للرؤية
هذيان = تفكر، نقد، تأمل، تدبر
محموم = الفلسفة، التجربة، المعرفة
بهذا تتحول الرواية إلى عمل معرفيّ يستثمر الأدب ليبث خطابًا فلسفيًا رصينًا، نجح الكاتب في تشكيله وتوجيهه، مقدّمًا نصًا لا يُقرأ قراءة سطحية بل تحليلية.
خلاصة القراءة
هذه الرواية القصيرة جدًا نجحت في الجمع بين الشكل الفني والمحتوى الفكري.
فالناقد يرى أن القيمة الكبرى تكمن في الأفكار لا الأشكال، لأن الأشكال تتغيّر، أما الأفكار فهي التي تنهض بالإنسان.
«فالأشكالُ لا تُغير الإنسان، بلْ الأفكار هي التي تفعل ذلك.»
الناقد إبراهيم رسول