هو “سيزيف السّعيد” كما يسمّي نفسه اختيارا، بما في التسمية من رمزية ومعان وقداسة،
وهو بكل جرأة يقدّم هويّته إلى القراء ويدلف الساحة الثقافية من بوابة الشعر من صورة محمود درويش لمّا يشدو:
“كمثل صبّار حزين لا يبكي لأنّه يدرك جيدا أنه لو بكى مائة عام، لن يحتضنه أحد.”
من هنا انطلق الشاعر ياسين قادري، من ظلّ صبّار يئنّ وجعا ولوعة وحرقة،
بدأ يكتوي بلهيب القوافي طالما الأدب مأساة أو لا يكون،
كنسّاج يلوّن أطراف القصائد أو كخزّاف يشكّل مسارب النصوص:
“أتعبتني أيها القلب وضيّعتني، حفظتُ سرّك ما حفظتني، كنتُ اتبعكَ ظلّ مسافرٍ، يروحُ ويغتدي بأرض اليبابْ، كسّرتني أيها القلب، وصرت ضريرا لا يرى فرحا، يكسّرك الضوء مثل امرأة كسّرتها الرّيح حين عبرتْ مجازها في الضّباب…”
تلمحه يتفيّأ ظلال الطبيعة الساحرة في أرض أجداده قرية “بلطة” الحالمة
التي وهبته الجمال والسحر والجلال،
وأثْرَتْ نصوصه الشعرية جلنّارا وعشبا وأزهارا وأشجارا وسواقي جارية وسنفونيات موسيقية
هادئة ترتّلها العنادل عند الغروب في رحلة العودة إلى دفء أوكارها،
فيتردّد صدى قصائده كشاعر قادم على مهل،
يبتغي أن يرتكب فضيحة قول الشعر طالما الشعراء يتبعهم الغاوون بين مدارج كلية الآداب والعلوم الإنسانية،
ليتشكّل شاعرا أكاديميّا كامل الأوصاف بعد أن أكرمته الكتابة موهبة الترميز والخيال والإبهار والوصف والتعبير والتصوير،
ليتفرّد بشعر ناضج أزهر في أسمى معانيه الإبداعية كأبهى ما يكون.
في ظل ساحة ثقافية اختلط فيها الحابل بالنابل،
صرنا نشقى طويلا في التمييز بين الغثّ والسمين في شتى الأجناس الأدبية،
ولعلّ شاعرنا يعي جيّدا هذا الوضع الراهن الذي عليه الفكر العربي ككل،
طالما هو طالب علم برتبة باحث في اللغة العربية وآدابها.
وإن اقترابه لطبيعة دراسته بالنقّاد والكتّاب وأساتذة التعليم العالي
عامل مثير في نحت تجربته الشعرية وصقلها ليزداد نضجا وإبداعا وإبهارا،
وقد لاحظ رواد الشعر هذا التميّز كلما استمعوا إلى الشاعر ياسين قادري وهو يشدو قصائده ويسأل على لسان محمود درويش:
“لماذا لا يشتاقون مثلنا؟ ألا يوجد في مدينتهم ليل؟”
لندرك جيدا أن هذا الشاعر القادم على مهل قد أينع من رحم السؤال،
مثل غريب تاه ولم يتبيّن له ضوء الطريق نحو النجاة،
إذ كانت الصّدمة منذ اللحظة الأولى كلّما تشكّل له قصيد،
لأنّه يُولد بعملية قيصرية على غرار الوحي لدى الفلاسفة والأنبياء والقدّيسين،
الذين ظلوا يتساءلون حكمة وقولا وترتيلا،
فصنعوا الملاحم الفكرية ثم هاموا في الأرض يبتغون الفناء لا يكترثون بالعائدين من خلف ثنايا الفراغ:
“سلام عليك، أيا واقفا عند بوّابة الكوخ، يا زائرا دون دعوهْ،
سلام عليك، وأنت تعدّ خطاك، على شوك أوردة قاحلهْ،
تجيء وتمضي، أمازلت تذكر هذا المكان، وذاك الزمان…”
وياسين قادري كالشّاعر الرّمز، وبكلّ ما فيه من ودّ واشتياق إلى الصّورة الجميلة،
اكتسب هويّته من المكان والزمان،
فتراه بتوهّجٍ رومانسيٍّ يمزج قداسة الفناء بعبق الطبيعة التي اغتسل بجمالها طهرا منذ ولادته،
على غرار الفلاسفة القدامى الذين يقرّون بأن الحياة تينع من بهاء الموت،
فما بعدها ليس إلا الخلود،
لأن الشعر يظل ثابتا في هيبة ووقار لا يسقط إطلاقا طالما شعره يعبّر عن الفرحة والسعادة
كما كان يحسّ بها آلهة الحياة والخصب والحبّ في العهود الغابرة:
“كلّما شيّعوني إلى قبري، واطمأنّوا أنّي متّ، خرجتُ من زهرة لوز، من بنفسجة، من سنبلة،
منّي أخرج، وعدتُ أنشدُ في الحقول، وعلى شرفاتهم أنشدُ،
وكلّما فتّشوا قبري، لم يجدُوا غير الرّيش…”
حتى ألفيْنا قصائد شاعرنا متوثّبة ومتحفّزة في رحلة الإبداع والإمتاع،
من هنا مشرقها، ومن هنا مغربها،
تتلوّى بين السّؤال والجواب كحيّة تسعى سريعا ما تلتهم أبصار قرّائها الذين هاموا بما يكتبه الشاعر ياسين قادري
كلّما التقوا به في المناسبات الثقافية والفكرية بين كلية الآداب وأنشطة الخميس الأدبي وفضاء دور الثقافة بتونس العاصمة وضواحيها.
هذا غيض من فيض في مسيرة “سيزيف السّعيد”،
شاعر في خطواته الأولى، قادم بثبات،
طالما بدأ ينحتُ اسمه على أرض الساحة الأدبية التونسية بحروف من عيار الزمرد والياقوت،
وهي شهادة الجميع وليست من باب الإطراء والتفضيل.
وحتما بين موهبة القول وثقل الشهادة العلمية الجامعية بطابعها الأدبي،
ثمة عناوين برّاقة ستكتب مسيرة شاعر من الجيل الجديد في تونس،
وفي الوطن العربي.
سننتظر وسنتابع، فلكل حادثة حديث، ولكل مقام مقال.
أ. الناصر السعيدي