سررت حين وصلني كتابان هدية من الكاتبة الأردنية د. ميسون حنا: كتاب أنين الأرواح، ويضم عدة مسرحيات بقلمها، وكتاب بكائيات غزة. قرأت الكتابين، فاستوقفتني نصوص بكائيات غزة وأثارت روحي، خاصة ونحن نعيش منذ قرابة العامين حرب الإبادة على غزة بقلوب مفطورة ممزقة، في ظل صمت وخنوع عربي وإسلامي، وتواطؤ غربي، ودعم أمريكي مطلق.
الكتاب يقع في 82 صفحة من القطع المتوسط، وطُبع في الأردن عام 2024م، وصُمّم غلافه باللون الأبيض دون لوحة كما في باقي كتب الكاتبة. وقد جاء العنوان مرتبطًا بالحرب الشرسة على غزة، وبما يتخللها من صور الإبادة، في ظل صمود أسطوري لشعبنا هناك، فكان العنوان “بكائيات غزة” تعبيرًا عن شيء من بكاء الروح، في ظل العجز عن الفعل.

قدّم للكتاب الروائي السوري محمد فتحي المقداد بمقدمة جميلة، لكنه وقع في خطأ تاريخي، إذ ذكر:
“في العام 1948 أُعلن قيام دولة إسرائيل، وبعد الحرب الخاسرة التي خاضتها الجيوش العربية (النكبة)، وإقرار الهدنة، تمخضت الأمور والمحادثات العلنية والسرية عن قرار (181) لتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية”،
بينما الصحيح أن قرار التقسيم رقم 181 صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني 1947، أي قبل النكبة وليس بعدها.
نصوص عابرة للتجنيس… وبكاء مكتوب على الورق
بكائيات غزة مجموعة من النصوص الأدبية العابرة للتجنيس، تتكوّن من اثنين وثلاثين نصًا، وهو العنوان ذاته الذي صدر به ديوان شعر في عام 2025، ما يجعل هذا الكتاب أسبق في الصدور بعام.
افتتحت الكاتبة كتابها بعبارة:
“نصوص أدبية تعكس واقع الحال في غزة أثناء ملحمة طوفان الأقصى”,
واضعة القارئ من البداية في إطار محدد لا يتجاوزه خيالًا أو تأويلًا.
ثم قدمت تنويهًا اعتذرت فيه لأهل غزة والمنكوبين في العالم، إذ لا يمكن للكلمة، كما تقول، أن تبلغ عمق المأساة، وأضافت:
“الكلمة سلاح، قيل إنها سلاح العاجز الأعزل، ولكني على يقين أنها سلاح الواعي الذي يسعى للتوثيق، ولرسم صورة قد تتآكل بفعل الزمن.”
الكاتبة تعيش، بخيالها وإحساسها، بعضًا من معاناة أهل غزة تحت نار الحرب والقتل والتجويع والعطش، وجاءت نصوصها تدور حول عدة محاور لا يمكن فصلها عن بعضها، من أبرزها:
أولًا: محور الشهداء
في نص “عطش”، نجد امرأة في ظل الحرب تحمل سطلًا بحثًا عن ماء لأطفالها، وحين تعود لا تجد سوى منزل مدمر وأشلاء أطفالها. تقول:
“جمعت بعض أشلائهم وسكبت الماء فوقهم، لعلهم يرتوون.”
ويتجلى الإيمان في النص حين تقول:
“نظرت إلى أشلاء أبنائي بذهول.. بكيت، صرخت، لطمت، وأيقنت أخيرًا أن لا راد لقضاء الله.”
وفي “وحيدة” تُصاب امرأة تحت القصف ولا تستطيع الزحف نحو والدها الشهيد.
وفي “صمت” يملأ الصمت المشهد بعد استشهاد الأم وبقاء الابنة وحيدة.
وتتكرر الصورة في “دموع” و**”إفطار غزي”** حيث يستشهد طفل بلحظة الإفطار.
وتنقل الكاتبة صورًا متكررة لاستشهاد العائلات، كما في “ضياع”، حيث الأم تفقد أطفالها الخمسة في أماكن متفرقة، وتبقى الرضيعة شهيدة على صدرها، فتقول:
“لماذا أبقيتني أيها الموت أتجرع مرارة الفقد؟”
وفي “نزوح – المشهد الرابع”:
“اخترقت رصاصة صدري، فتكومت بينهم.”
وفي المشهد التاسع:
“أطلقوا النار على طاقم السيارة، سقط شهداء من المسعفين، واستشهد الطبيب كذلك.”
وفي “صورة 1” تستشهد صحفية أثناء تغطية قصف مشفى، وفي “صورة 2” تنقل الكاتبة مشاعر أم استشهد ابنها الصحفي.
ثانيًا: محور المعاناة
المعاناة هي السقف الذي يحتمي تحته كل ما يتعرض له شعب غزة.
في نص “براءة” يستشهد الأب ويفقد الطفل ساقيه ويسأل:
“متى ستنبت قدمي يا عمو؟”
في “آذان” تُقصف المساجد ويُرفع الأذان بلا مآذن.
في “وداع” يخرج الأب مودعًا أسرته باحثًا عن الطعام:
“ومن يدري، قد لا أعود…”
في “كابوس” تسأل الطفلة من تحت الركام:
“هل هذا حلم مزعج أم حقيقة؟”
في “روح متشظية” يقول ربُّ الأسرة بعد نجاته منفردًا:
“إصاباتي بسيطة، لكن روحي متشظية… من يدرك عمق إصاباتي إذن؟”
وفي “جوع” لا طعام حتى في القمامة.
وفي “خداع” يدخل الاحتلال شاحنات غذاء ثم يقصف الناس.
وفي “وهم” يرى الطفل قطعة جبن في مصيدة فئران، ويقول:
“انظري، قطعة جبن! وأنا جائع.”
وتتواصل المشاهد الموجعة:
“حرقة”, “حلم صغيرة”, “عذاب”, “؟”, “طقس”, “ألم”…
كلها تصوغ لوحات دامية من الجوع واليُتم والفقد.
وفي “العيد في غزة” و**”أحلام العيد”** نصوص ولوحات من ثمانية ثم ست لوحات تنزف وجعًا وفقدًا وحرمانًا.
ثالثًا: النزوح
في نص “نزوح” المكون من أحد عشر مشهدًا، نقرأ:
-
المشهد الأول: شيخ مسنّ يرفض الرحيل:
“أتركوني على أنقاض بيتي أُصلي.” -
المشهد الثاني: رجل فقد أسرته:
“سأبقى هنا أحرس أشلاءهم.. كيف أتخلى عنهم وأرحل؟!” -
المشهد الثالث: صديق يدفن صديقه:
“ما أقسى الموت في العراء، وحيدًا مع الذئاب والغربان والكلاب الضالة.” -
المشهد العاشر: تُقصف المستشفيات ويُطلق النار على الجرحى.
وفي “مشهد 1”:
“وأد الأحياء النازفين.. فعل غير مسبوق في تاريخ الحروب.”
رابعًا: الشهادة والخلود
في “شهداء”: مشاعر ذوي الشهداء.
وفي “الشهيد”: رسالة شهيد مدني إلى الأحياء.
وتختم الكاتبة بنص “أيها الغزي، من أنت؟”، وتفتتحه بـ:
“أيها الغزي: من أي طينة جُبلت؟”
والإجابة:
“نحن الحقيقة التي سوف تُدرّس في كتب التاريخ، عندما يكتبها الأحرار.”
الخاتمة
ثم يأتي نص “خاتمة”، وفيه تساؤلات وأمنيات تُختتم بـ:
“على أمل النصر، سنبقى نكتب، ونكتب، ونكتب.”
خاتمة القراءة
أبدعت الكاتبة في وصف مشاهد الإبادة، لا بالشعارات، بل بالبعد الإنساني الصادق. فالمقاتلون يحملون السلاح، لكن خلفهم شعب كامل يدفع الثمن. فلو انتهت المقاومة، فلن يتوقف القتل بل سيُستكمل بالتهجير.
اعتمدت الكاتبة على أسلوب الممازجة النصية، بين الخاطرة والترنيمة والشذرة والنص القصير جدًا، ما يجعل الكتاب خارج النقد المنهجي التقليدي. وهو ينتمي إلى الأدب العابر للتجنيس.
ويجدر الإشارة إلى ملاحظة بيئية في نص “نزوح – المشهد الثالث”، إذ إن الذئاب لا تعيش في غزة، بل في محميات في النقب ووادي عربة بأعداد تقدر بين 100 و150 ذئبًا.
وفي النهاية…
بكائيات غزة ليست مجرد نصوص، بل مرآة لوجع غزة وصمودها، وصرخة في وجه الإبادة والصمت والنسيان.
كتبت د. ميسون حنا بدمعٍ ساخن على الورق، فكان الحبر شهادة، وكانت الكلمة مقاومة…
غزة — كما وصفتها — ليست مجرد مدينة تحت النار، بل اختبار حيّ للضمير الإنساني.
الكاتب الإعلامي زياد جيوسي