كانت ليلة عاصفة ونحن على طاولة العشاء. الريح تلعب بالستائر وصرصرتها تنبئ عن مطر وشيك. وبما أن لا ريح بدون دوي نافذة منسية، فاجأتني زوجتي بالسؤال المشؤوم:
“لماذا لا نتبنى صبياً؟”
دقات منتصف الليل التي أطلقتها الساعة بدت كجرس جولة ملاكمة قادمة. تلك البائسة كانت تعلم رفضي للأمر، لكنهن النساء، للجروح الدامية هن كما صائدو الكنوز للمغارات الموحشة.
شق البرق ظلمة الطابق الأول حيث الملاسنة تصاعدت بيننا حتى غطى صراخنا على ضربات الرعد المتتالية.. عاودت الإلحاح على الصبي.. عاودت الممانعة.. قامت قيامتها.. قمت غاضباً فأمسكت بي وأطلقت الكلمة المحظورة:
“العقيم!!”
هل تصدقون جرأتها؟ أنا الآن في الأسفل وهي تنظر إلي بنظرات أخرى. البرد شديد وإهانتها أشد، لذلك تركتها والتحقت بالنادي. هناك وحيداً جلست أركل كيس الرمل قدر ما شئت وبقوة ما اشتهيت.
حين هممت بالمغادرة كان الليل ما يزال زلة، والسماء تمطر بالمدرار. لا أثر لتاكسي، ولا مناص من اختصار تلك القشعريرة الليلية إلا باجتياز المقبرة الموحشة.
الضباب يتسلل بين الشواهد كأشباح تبحث عن فريسة آدمية، وأصوات خفيضة تنبعث من أرجاء المقبرة. لا أدري أهي بسبب المطر أم مجرد تهيؤات نفسية. أسرعت الخطى، فمهما جسرنا، تبقى للموت هيبة في الليل تثقل على القلب.
وأنا أتلمس الطريق بين الشواهد، آنست ناراً بين قبرين تنبعث منها همهمات بعض الفتية فخفَّت رعشتي واستكان فؤادي. ثلاثة فتية يمكنني تدبر أمرهم إن ساءت الأمور.
جلست القرفصاء أمام الموقد لما سألني أحدهم وهو يبدي امتعاضه من استدفائي:
“هذه النار ليست لك، انج بنفسك!”
ما أغباه! وهل ينأى البطل عن نار في تلك الليلة الباردة؛ لم ينل مني التفاتة، وفركت أصابعي فوق الموقد ثم أجبته مظهرا وبسخرية:
“الخوف يكون من الموتى أو الجن وما أرى لك ظلفا أو قرنا يا فتى.”
ساعتها تبادل مع الآخرين نظرات غريبة ورد على مزاحي بمحاولة ترهيب فاشلة:
“ذاك ما نقصد!!”
انفجرت بالضحك وأنا أنظر إليه يحاول تفزيع من كاد يقطع حبله السري بيده، لكن ليس بعد أن تفقدتهم، فوجدتني الوحيد بينهم من ينبعث له ظل.
تثاقلت الكلمات في فمي، جف حلقي، بل كدت أمطر من تحتي حين أدركت أني أمام ثلاثة أموات أحياء.
علم الرهط ما يختلجني فابتسم الأول بحرقة غريبة وهمس لي وهو يسترق النظر إلى القبرين:
“تنظر إلينا كأنك مخلد. ما دنياكم لنا إلا قبر كبير نطل عليه من لحودنا.”
ثم أردف:
“يا هذا! غداً ستكتشف أن دنياك أولى دركات العذاب.”
اقترب مني كبيرهم وهو يحرك نار الموقد. رباه، ماذا أرى؟! النار لم تكن للاستدفاء، إنها نار تحرّق أصابعهم وليسوا منها بفكاك.
قال لي بأسى يكاد يفلق ما بين عينيه وهو يتأمل أصابعه الملتهبة:
“تتساءل لم نحن هنا.. نحن الثلاثة كنا نمتهن السرقة. ذات ليلة اعترضنا أخرس وسلبناه كيس سفره وحصانه. ظل يستعطفنا بحركاته وأناته ونحن نتضاحك غير مبالين.”
قصة مؤلمة، لكن ما علاقة ذلك بتواجدهم بالمقبرة؟ بل لم تجلوا لي أنا بالذات. لحظتها زفر الثلاثة وأردف كبيرهم:
“في الغد اقتادتنا أقدارنا لقبيلته فتفاجأنا بجنازة يتقدمها ذاك الشاب الأخرس. كانت أمه، وكان يبكيها بحرقة حتى تقززنا من أنفسنا لدرجة أننا هجرنا السرقة.”
قصة مؤلمة أنستني سبب تواجدي معهم وسبب تواجدهم بين تانك القبرين.
نظر إلى أوسطهم حين علم ما يجول بخاطري واستطرد قائلا:
“كلما طلبنا أن يخفف عنا عذاب القبر نُخبَر أن دعاء الشاب يحول دون ذلك، فنعذب بحرق أصابعنا عند قبره.”
في تلك اللحظة، لاح لي لوح وهمست لهم مبشرا:
“والله ما أراه إلا مسامحكم؛ ما أوقفكم الله على قبره إلا وقد سبق في علمه أنه سيسامحكم.”
لحظتها تهللت وجوههم كلصوص أخبروا بقافلة شامية ونظروا إلي لأول مرة بغير النظرة التي لقوني بها.
لم أكن ولياً ولا عالماً لأفتي لهم، لكني عبرت عما جال في خاطري وأردفت مطمئناً:
“كيف لمن يطمع في عفو الله ومغفرته ألا يعفو ويصفح ويتجاوز عمن ظلمه؟!”
لم أكمل حديثي حتى هدأت السماء وانقطع السيل، لكن الرهط تملكهم خوف وفزع. ظننتني خففت عنهم، فإذا بهم ينظرون إلى الأخرس وقد تجلى لهم من قبره.
تحاشاهم وصرخ في وعيناه كأنهما فوهتا بركانين ثائرين منذ بدء الخليقة:
“كانت أمي وصوتي إلى العالم، سهرت علي صغيراً، لما مات أبي عزفت عن الزواج، وحين مرضت باعت دملجها الوحيد لتعالجني. لكن حين أتى وقت رد الجميل سلبوني إياها وماتت مخنوقة مزرقة وبنظرة طلب استغاثة مجمدة في عينيها المفتوحتين. لن أسامحهم حتى لو استعطفوني إلى أبد الآبدين.”
يا للعار! أخرس موجوع يحمل ثأر أمه، حتى يلقى ربه وأنا لا أكاد أميز قبر أمي بين القبور.
لكن اللسان جرى بكلمات ما ظننتني قلتها لغيره قبل تلك الليلة:
“حب الأم مهما غلا لا يغلو على عفو الله. يا أخي اغفر يغفر لك، اصفح يصفح عنك، تجاوز يتجاوز عنك. أتطمع في العفو بقلب مليء بالانتقام؟”
ساعتها نشغ وهوى على قبر أمه يضمه ويصرخ:
“إنه القصاص يا هذا، حرموني جنة الدنيا فليحرموا جنة الآخرة.”
كان الثلاثة يسمعونه في حالة من الهوان واليأس، يحرِّقون أصابعهم ويمنون النفس بمعجزة هيهات أن تحدث. فجأة أضاءت الدنيا بشفق متماوج يشد الألباب تجلت منه سيدة ذات سكينة ونور.
وضعت يدها الوضاءة – وكل ما فيها وضاء – على ظهر الشاب المهرق فوق الراموس وصدحت:
“سامحهم يا ولدي.”
في تلك اللحظة هبت من محيا الثلاثة رامسات ابتسامة مشعة ابتلعت آثار الأسى والانتظار، بينما الموجوع يحاول جاهداً تلقف طيف أمه وهي تتلاشى في الأفق. فجأة تبددت أطياف الأربعة واستحالت ذرات متلألئة كندفات ثلج أصابها سناء ليلة مقمرة وتسربت إلى القبور حيث العفو الأكبر.
أما أنا فكنت أعوم في انسلاخ شبه تام من كل ما هو دنيوي. لما هدأت روعتي تذكرت نصيحتي إلى الشاب وطرت إلى زوجتي التي تركتها في تلك الليلة العاصفة.
تبدد الغضب من قلبي وأحسست بوحشة إليها، أسابق أنفاسي إليها لأضمها وأستسمحها، لكني حين وصلت البيت رأيت عجباً:
شخص مهرق على وجهه تحت سلم الدرجات وزوجتي تنوح وتحاول إفاقته كأنه ولي حميم.
البرد بدأ يخف في أوصالي والدم يعاود مجراه في أوداجي. هويت على الغريب أقلبه لأعرف من المستبيح بيتي. لكن ما هذا؟! الجسد المهرق جسدي أنا، كيف يعقل؟!
ما إن لمسْتُني أو لمسته أو أيا يكن، حتى أحسست بالهواء الدافئ يملأني وصرت أنا والجسد كيانا واحدا.. ثم تفتح نظري على زوجتي الباكية قبل أن ينقلب الأسى فرحة تعتري وجهها الجميل.
بدأت تقبلني وتعتذر.. لم أكن أعي ما تقول، كان ذهني مشتتاً، أحاول فهم ما جرى.
ساعدتني على الوقوف واقتادتني في حضنها إلى الأريكة لأستدفئ على نار الموقد وعلى دقات الساعة التي كانت ما تزال تشير لمنتصف الليل في الطابق الأعلى.
الكاتب عبد الغني تلمم