تأبين عرّار في سينما الزهراء للكاتب أحمد عبيدات

– إربد، آب 1949

كما تخيلتها

بحثت كثيرًا بين الكتب القديمة والصحف الصفراء، في الأرشيفات المنسية، وبين حكايات من عاشوا تلك الأيام، حتى حصلت على هذه المعلومات التي تكشف عن ليلة استثنائية في تاريخ إربد والأردن.

في قلب إربد القديمة، حيث الأزقة ضيقة والمقاهي تفوح برائحة القهوة، وفي ليلة 12 آب عام 1949، حدث شيء لم يكن شبيهًا بأي ليلة أخرى.

ليس فيلمًا يُعرض على شاشة سينما الزهراء، ولا ضحكات جمهور عادي، بل تجمع الناس لوداع شاعر عاش في وجدانهم، شاعر حمل همّهم ووجعهم على كتفيه، وعرف كيف يحوّل الكلمة إلى صرخة.

تخيّل شارعًا مكتظًا، أصوات الباعة تتداخل مع همسات الناس، والدخان يلوح من النوافذ، والقلوب جميعها متجهة نحو القاعة القديمة، حيث كانت جدرانها الصامتة تنتظر لحظة كبيرة ستخلّدها ذاكرة المدينة.

كان هذا المساء أكثر من مجرد تأبين؛ كان إعلانًا حيًا بأن الكلمة الحقيقية لا تموت، وأن الشجاعة والصراحة تعيش بين الناس، حتى بعد رحيل من حملها في حياته.

اجتمع الناس داخل سينما الزهراء، لا لمشاهدة فيلم جديد، بل لتأبين شاعر خرج من بين صفوفهم، شاعر حمل وجعهم على كتفيه، وسار بهم نحو الحقيقة مهما كانت قاسية.
كانت تلك الليلة تأبين ،مصطفى وهبي التل – عرّار ليلة وداع شاعر الأردن.

الشارع يضج بالحياة. المقاهي ممتلئة بالرواد. الدكاكين تفوح منها رائحة القهوة والدخان، وأصوات الباعة تتداخل مع همسات الناس ونقاشاتهم عن السياسة والفن والحياة.
لكن قلب الحشود كان متجهًا نحو واجهة سينما الزهراء، حيث ارتفعت جدرانها الصامتة، كأنها تعرف أن شيئًا ما كبيرًا على وشك الحدوث.

دخل الناس القاعة، الصفوف ممتلئة عن آخرها، كل وجه يحمل توقه الخاص للقاء شاعر عاش على هامش الزمن، شاعر لم يخشَ الحقيقة، ولم يساوم على كرامته أو كرامة الناس.

كانت القاعة مليئة بصفوف المقاعد الخشبية، والأضواء الخافتة تسقط على وجوه الحاضرين، فتُظهر كل نظرة وابتسامة، كل دمعة مكتومة، وكل همسة صامتة بين الجماهير.

تقدّم على المنصة رجال حملوا همّ الكلمة والفعل، وجاؤوا ليقولوا ما يعنيه عرّار لهم وللأردن.
كان بينهم: عبد الحليم الحمود، غالب القسوس، محمود أبو غنيمة، رفعت الصليبي، برهم سماوي، أحمد الشراري، ومحمد الدلقموني.

إلى جانبهم، وقف آخرون من لجان التأبين والحياة العامة: سامح حجازي رئيس اللجنة، شفيق رشيدات سكرتيرها، ومعهم رموز بارزة من الحياة السياسية: سليمان النابلسي، عاكف الفايز، وهزاع المجالي.

لقد شكّل حضورهم لوحة متكاملة من الوفاء والتقدير، كأنهم جميعًا رسّخوا بوجودهم أن عرّار ليس فقط شاعرًا، بل رمزًا للجرأة والصدق.

الكلمات التي أُلقيت لم تكن خطباً رسمية، بل كانت شهادات نابضة بالحياة؛ بعضها دامع، وبعضها مشحون بالغضب، لكنها جميعًا كانت اعترافًا صادقًا بفضل رجل عاش وحيدًا أحيانًا، مطارداً أحيانًا أخرى، لكنه ظل وفياً لفكرته، صامدًا أمام الريح.

في تلك اللحظة، بين التصفيق والدموع، أدرك الحاضرون أن هذا الشاعر لم يمت، بل صار جزءًا من ذاكرة المدينة والوطن، من عبق الشارع والحواري، من أصوات القهوة والدخان، ومن صمت القاعة القديمة.

كان الحشد مستغرقًا في مشهد جماعي من التأمل والحزن والفخر معًا، كأنهم جميعًا يلمسون روح عرّار التي بقيت حية بينهم.

ذلك التأبين لم يكن مجرد حفل يليق برحيل شاعر، بل كان إعلانًا حيًا بأن الأردن قادر على أن يصون أصواته الحقيقية، وأن الكلمة الحرة تبقى، مهما رحل أصحابها.

كان وداع عرّار في سينما الزهراء وداعًا لرجل، لكنه في الوقت نفسه ولادة جديدة لفكرة: أن من يكتب الحقيقة، يظل حيًا في وجدان الناس، وأن صدى صوته يتردد من تلة إربد إلى كل زاوية من زوايا المدينة.

“لا تبكوا عليّ… فأنا لم أذهب. أنا بينكم، في همساتكم، في صراخكم، في ضحكات أطفالكم، وفي زفرات بسطائكم المتعبة. ما دمتُ قد قلت الحقيقة، فسأبقى معكم ما بقيت كلمة صادقة في هذا الوطن.”

وهكذا، لم يكن المشهد مجرد ذكرى عابرة، بل كان وعدًا متجدّدًا بأن الشعر قد يصمت لحظة، لكنه لا يموت، وأن عرّار لم يُؤبَّن تلك الليلة… بل وُلِد من جديد في قلوب الناس.

الكاتب أحمد عبيدات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *