نقف اليوم أمام مأساة إنسانية عميقة، نعيشها بكل وجداننا، لا مبالغة فيها ولا تهويل. إنها حالة من القلق والنفور تتغلغل في أعماقنا، نابعة من ألف سبب وسبب، من حاضرٍ مضطرب، وماضٍ مثقل بالانتكاسات والأحزان، ومستقبلٍ مجهول يلوح في الأفق كظلال الغيب. نخشى من أنفسنا التي تحوينا، ومن الآخرين الذين يشبهوننا في المظهر لكنهم يختلفون في الجوهر والمقاصد. نخشى من الغيب الذي نؤمن به، من الجنة والنار، من بعدنا عن الإله أو قربنا منه، ومن الشيطان الرجيم الذي يتربص بنا، يرى هو وقبيله ما لا نراه، ينسج المكائد ليهوي بنا إلى قعر الجحيم.
نعيش في زمن تتقاطع فيه الحروب والتهجير والغربة بكل أشكالها، الأمراض، الموت، الفقر، الفشل، التنمر، وظلم الآخرين، وأمورٌ أخرى لا يتسع المجال لذكرها. وفي داخلنا، ظلٌ متمرد يثور في ذواتنا، أنفسٌ متشعبة تحمل رغباتها وجنوحها، همومها ومثالياتها، وكمالها المنشود الذي يصطدم بواقعٍ مرير. واقعٌ لم نُخيَّر في صنعه، بل فُرض علينا، حيث تُختزل أصواتنا وهواياتنا، ويُسكتنا من يحسبوننا مجرد ظلالٍ بلا أثر. ومن هؤلاء الذين يُطبقون على أنفاسنا منذ ولادتنا، يتحكمون فينا كما لو كنا آلاتٍ من حديدٍ وخردة، تعمل بالوقود والشرر الكهربائي، لا بشرًا من لحمٍ ودمٍ وروحٍ ومشاعر محدودة الاحتمال.
كل هذا، وألفٌ غيره، حولنا إلى كتلةٍ من الكثبان الرملية الملتهبة، تتطاير في مهب الريح وسط صحراءٍ قاحلةٍ رمادية. نحن كصخرةٍ من نار في قاع بركان، تحاول الطفو بانفجارٍ يائس لتصل إلى القمة. نعيش هذا الضياع يوميًا، شئنا أم أبينا، فأي قلبٍ يقوى على تحمل هذا العبء؟ أي عقلٍ يستطيع استيعاب هذا الزخم من الصور والحقائق والأكاذيب دون أن يهترئ؟ أي رئتين صغيرتين قادرتين على استنشاق هذا كله دون اختناق؟ وأي روحٍ تستطيع التأقلم، إيجاد زاويةٍ صغيرة على رصيف الحياة لتنتظر محطةً أفضل، دون أن تنهار تحت وطأة هذه الأثقال، أو تتدحرج من أعلى الوادي إلى أسفله؟
لا أعلم أي كائنٍ هذا الذي حُمِّل كل هذه الأعباء، ولا يزال يستقبل يومًا جديدًا بمزيدٍ من الأوزار، دون أن يصرخ: “كفى! لم أعد أطيق!” ولكن، فلنتأمل، ففي التأمل عسى أن نجد مخرجًا، أو على الأقل، معنى.
الكاتب ماهر كمال خليل