تبرير نبض للكاتبة سمية جمعة

باغتتها أصابعه وهي تتسلّل بين طيّات بتلاتها، تلك الوردة الخجولة الحالمة.
أمّا الفراشة، فأنثى عاشقة، لا يهمّها متى تتوقف عن لثم الشفاه.

كان البستاني هناك، مذهولًا، يتأمّل المشهد من فوق تلة الصبر.
الشمس تقبّله كل صباح، تلملم عنه بقايا النعاس، فينتشي طربًا.
يتمطّى حتى يكاد يلامس غصن الشجرة، والعصفور مسترخٍ يحدّق بشغف في حبيبته المختبئة بين الأغصان.

تساءل في نفسه، بوجل:
ما لهذا اليوم لا يترك لحظة عشق إلا ويمارسها بسخاء؟
وأنا هنا، ممدّد على حافة الانتظار…

وبينما هو شارد الفكر، شقّ صمت الطبيعة صوتٌ عالٍ ثابت.
استوضح السمع، فإذا به صوت زوجته.
وقف كالتلميذ الخائب الذي نسي دوره، وراح قلبه يرتجف.

ماذا سيقول لها؟
هل سيحدثها عن العصفورة التي تمرّدت على خجلها؟
أم عن الوردة التي ارتعشت بين أنامل فراشة حالمة؟

سحب خطواته إلى البيت، تاركًا خلفه كل شيء: العصافير، الأشجار، والحنين.
وما إن دخل، حتى واجهته عاصفة من الأسئلة.
كانت الزوجة هناك، والشرر يتطاير من عينيها.

أنصت لها بصمت، لم يجب.
كانت صورة العصفورة ترفرف في خياله.
ابتسم.
فازداد غضبها، وصارت تكيل له اللوم:

«أيّ أنثى اقتربت من فمك؟
كم مرة سألتك أن تعود باكرًا؟
هل كان العشق في البستان أهم من الخبز في البيت؟!»

آه، كم عانده الوقت!
وكم اشتهى يدًا أنثوية توقظه بلطف، وتردد له كلمات الحب في آخر النهار…
في كل ليلة، كان يراوده طيف يزيح عنه التعب، ويشرع له بوابة الأمل.

سرح مرّة أخرى…
في عصفورته التي أفردت جناحيها للحياة،
وفي العصفور الذي اقترب منها فزقزقت فرحًا،
وفي الغابة كلها وهي تسلّم نفسها لطقوس العشق.

لو أنها فقط رأت ذلك العالم…
لو نسيت القسوة للحظة وتذكرت أنها أنثى…
لو رافقته يومًا إلى هناك، حيث الحلم لا يخجل…

قطع تيار أفكاره صوتها الجاف من المطبخ:

«ينقصنا الخبز… هيا، الفرن قد ازدحم!»

الكاتبة سمية جمعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *