تخاطر الإلهام بين العقول: قراءة  للكاتبة سمية الإسماعيل في التقنية السردية والرمزية في قصة «تليباثي» للدكتورة مها حسن محمد

تُعدّ قصة «تليباثي» نموذجًا سرديًا متقدّمًا في الأدب العربي الحديث، إذ تلامس جوهر العملية الإبداعية من الداخل، وتحوّل الفكرة الأدبية إلى كائن حيّ متحرّك يتنقّل بين الكتّاب في فعل تخاطري مستمر.
ومن هنا، يتأسس النص على رؤية فلسفية جمالية ترى الإلهام طاقةً كونية عابرة للعقول، لا يملكها أحد ولا تُنسب إلى فرد بعينه.

دلالة العنوان وعلاقته بالمضمون

يأتي العنوان «تليباثي» (Telepathy) بوصفه المدخل الدلالي الرئيس للنص، فهو يحيل إلى ظاهرة التخاطر: انتقال الأفكار بين العقول دون وسائط حسية.
هذا المفهوم هو المفتاح السيميائي للنص كله.

وتتجسّد هذه الفكرة عبر تصوير “الفكرة” نفسها كامرأة لعوب تتسلّل إلى أذهان الكتّاب، تُغريهم، تثير خيالهم، ثم تهرب إلى عقل آخر؛ وكأنها كائن متخاطر ينتقل عبر أدوات الإدراك:
العين – الأذن – الأنف – القلب.

وهكذا ينسجم العنوان مع المتن السردي انسجامًا عضويًا دقيقًا.

التقنية السردية والبنية الفنية

اعتمدت الكاتبة تقنيات متعددة صنعت بها نصًا ميتاسرديًا متقنًا، أبرزها:

1. الرمز والتشخيص (Personification)

تحوّلت “الفكرة” إلى كائن أنثوي حسيّ يحمل جسدًا وإرادة وحركة:

  • امرأة لعوب

  • تتلوّى، تنزلق، ترفرف، تضحك

  • وتملك مشاعر ونوايا: ماجنة، مراوغة، متمرّدة

وبذلك يصبح الإلهام المجرد دراما حية متجسّدة.

2. المنظور السردي المتعدد (Shifting POV)

ينتقل السرد بين:

  • الفكرة نفسها (كاميرا داخلية طريفة)

  • الكتّاب الثلاثة

  • المشهد المتخيَّل على الشاطئ

مما يخلق نصًا ميتاسرديًا يتأمل فعل الكتابة ذاته.

3. الحبكة الدائرية

تبدأ القصة بالفكرة وهي حرّة، وتنتهي بها محبوسة في دواة الحبر…
لكنها تتوعّد بالهرب.
وهكذا تتحول العملية الإبداعية إلى ديمومةٍ بلا بداية ولا نهاية.

4. الرمزية (Symbolism)

كل عنصر في القصة رمز:

  • الفكرة: الإبداع والوحي

  • رحلتها في الدماغ: مسار الخلق

  • الكتّاب الثلاثة: نماذج بشرية من المبدعين

  • دواة الحبر: محاولة تقييد الإلهام

 

5. اللغة الحسية

لغة مشبعة بالحواس الخمس:

  • اللمس: “تنزلق”، “ساقيها الناعمتين”

  • السمع: “إيقاعات المطرقة والسندان”

  • الشم: “رائحة البحر والسمك”

  • البصر: مشهد الشاطئ والقارب

  • الذوق الضمني عبر الإحساس بالبحر والملوحة

النص ضمن إطار رمزي – ما بعد حداثي

القصة تنتمي إلى المدرسة الرمزية الحديثة، وإلى ما بعد الحداثة في آن واحد، عبر:

  • تفكيك سلطة المؤلف

  • تشظية السرد

  • اللعب بالزمن

  • جعل الفكرة مركز الحدث لا الكاتب

وتتقاطع مع أعمال:

  • بورخيس (شبكات العقول المتداخلة)

  • إيتالو كالفينو (السرد عن السرد)

  • يوسف إدريس (الرمزية)

  • سلوى بكر (تشخيص الفكرة في جسد أنثوي)

  • هدى بركات (الحسّية العميقة في السرد)

خاتمة القراءة

تقدّم د. مها حسن محمد في «تليباثي» تجربة سردية فريدة تنتمي إلى الأدب الرمزي الميتاسردي، حيث تذوب الحدود بين الفكرة وكاتبها، وبين الخيال والواقع.
إنها قصة عن هجرة الفكرة بين العقول وعن حرية الإلهام في الانفلات من قيد التملّك.

النص الإبداعي: «تليباثي» – د. مها حسن محمد

الفكرة امرأة لعوب، ترتدي حلة كاشفة ذات حُليّ براقة، تراود عقول الكتّاب عن خيالاتهم.
تتلوّى متراقصة على قمة رأسه، لتنزلق بعدها في حركة لولبية وتلتف مع تعريجات صوان الأذن لتغرق داخله، تمشي بين تلافيف عقله وتتمايل على إيقاعات المطرقة والسندان مثيرةً إلهامه.

يتفتّق ذهنه عن رجل يسير بجوار الشاطئ قرب الغروب، يتطلع لقارب صغير انتصب شراعه ونشر قلاعه، وعلى طرفه امرأة تلقي الشباك.
مضى الرجل مشاهداً لا يحرّك ساكنًا.

خرجت الفكرة تاركة الكاتب يغزل بحروفه موجةً تطيح بقارب المرأة، والرجل ما زال يسير متفرجًا.

رفرفت الفكرة بجناحيها لتدخل هذه المرّة عبر أنف كاتب آخر، أخذ يحكه إثر دخولها إيذانًا بإلهام جديد.
اخترقت عظام أنفه إلى تعاريج دماغه.

تلاعبت بأدراج ذكرياته قليلاً ثم وسوست له بقصة الرجل العابر.
قفز الرجل هذه المرّة محاولًا إنقاذ القارب من الغرق، والمرأة الصيادة متشبثة بشبكتها وما علق بها من سمك.

تركته الفكرة بعدما شمّ الكاتب رائحة البحر والسمك، وأهدت المرأة بعضًا منه لمنقذها.

عطس الكاتب على إثر الرائحة المتصاعدة من ذاكرته، فخرجت الفكرة من فمه رذاذًا استنشقه صديقه مع دخان سيجاره.

تسلقت حلقه، فشعر بغصّة تنبئه بضرورة البوح.
ابتلعها لتتسامى إلى مسام قلبه، فتتزايد ضرباته موحية له بقصة عابر الشاطئ الذي أحب صاحبة القارب، صائدة السمك.

أخذ الكتّاب الثلاثة الأصدقاء يروون قصصهم المتشابهة، وذهلوا من توازي الأحداث حتى اتهم بعضهم بعضًا بسرقة الأفكار.

والفكرة الماجنة تراقبهم من بعيد، تضحك، تصفق، وتؤرجح ساقيها الناعمتين في عبث.

انتزع المؤلف الفكرة من رأسه بعدما أنهى مشهد صراع الكتّاب الثلاثة، وهي تمور بين إصبعيه وترفس محاوِلة التملص.
وضعها أخيرًا داخل دواة الحبر وأحكم إغلاقها كي لا تهرب إلى رأس مؤلف آخر.

أخذت تزوم وتطرق بقبضتيها الصغيرتين على جدران المحبرة حتى خارت قواها وذابت بين قطرات السائل الأزرق، بعد أن حدجته بنظرة تتوعد بالهرب والعودة في مغامرة جديدة.

د. مها حسن محمد

الكاتبة سمية الإسماعيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *