تضحية للكاتب الهادي نصيرة

يلاحقه صوت أمه، وهو يهم بمغادرة المنزل:

  • “رفيق يا بني! أعلم أن سنوات البطالة قد طالت، وأنك ضقت ذرعا بالترقب والانتظار، قبل أن تضطر لاتخاذ قرار الهجرة..”

ثم أردفت ما قالت بكلمات مغمغمة بالكاد تسمع:

  • “أما أنا، فلم يعد أمامي غير المكوث، هنا، وحيدة، تطول بي الساعات.. يقضمني الفراغ، ويحاصرني القلق..”

يتجه نحو الباب بخطوات ثقيلة مرتبكة. يقف مطأطئ الرأس، ثم يستدير، ماسحًا براحتيه دموعًا ترقرق في عينيه، لينظر في وجه أمه المرهق، ثم ما يلبث أن يندفع، مرتمياً في أحضانها. يقبل جبينها، فيما تنبري هي، تعانقه ولسانها لا ينقطع عن الدعاء له بالسلامة والأمان.

في اتجاه تلك المدينة البعيدة؛ حيث أحد شطآنها المعزولة، سيكون منطلق العبور خلسة إلى سواحل لمبادوزا.

على متن سيارة أجرة متعجلة، ينتحي رفيق مقعدًا قرب النافذة، مادًا بصره إلى الأفق البعيد. ذكريات من سنين أدبرت، تتسلل إلى مخيلته، ومنها يتراءى له طيف أمه، فيلفي نفسه مستحضرًا تفاصيل ما زالت لم تغب عن ذاكرته:

  • “كم قست عليك الحياة يا أمي! قدر لك، بعد موت أبي، أن تكافحي لأجل تعليمي، وترافقيني حتى يحالفني النجاح.. ولولا تضحياتك، ما كنت لأحصل على شهادة جامعية عليا. لكن سعادتك لم تكتمل، وكنت أعي جيدًا أن بقائي عاطلاً عن العمل لسنوات قد عمق حيرتك وأرقك.. وها أنتِ تقفين اليوم في مفترق صعب؛ فأنت، من جهة، لا تريدينني أن أفارقك وأتركك وحيدة، ومن جهة أخرى، يعز عليك أن تمنعيني من تحقيق حلم الهجرة إلى أوروبا.”

هاتفها ذات يوم، وقد سبق أن طمأنها بوصوله إلى إيطاليا:

  • “ألو، أمي. كيف حالك؟”

  • “الحمد لله. وأنت؟ هل أنت بخير؟”

  • “أمر بظروف صعبة للغاية يا أمي! قضيت أياما، رفقة صديقي، في حالة من الفاقة والجوع.. نمنا في العراء، تحت الشجر أحيانا، وتحت الجدران أحيانا أخرى.. تشردنا في الشوارع، وتعبنا دون أن نعثر على عمل.. ولا يزال بحثنا مستمرًا.”

  • “هل أنت في حاجة لبعض المال؟”

  • “أمي الغالية، أدرك جيدًا أنه ليس باستطاعتك أن توفري لي المال الذي أحتاجه.. فأنت أحوج مني لذلك.. لكن الظروف قست علي، ولم أجد أحدًا غيرك لأشكو له متاعب الدنيا!”

ردت على الفور:

  • “اطمئن يا عزيزي! سأتدبر أمري، وأوافيك بالمبلغ الذي تطلب!”

بقيت الأم على اتصال بوحيدها، لا تتردد في تلبية ما يطلبه من مبالغ مالية. وكلما حاول جرها للحديث عن مصدر ذلك المال، تحدثه عن سعادتها الكبيرة بالتواصل معه، وتؤكد له أنه يكفيها سماع صوته لتنام فرحة، قريرة العين.

  • “ألو، أمي. أبشري يا أمي! أخيرًا ابتسم لي الحظ بالحصول على حق الإقامة وضمان شغل قار. سأوفر المال، لدحر ما لحقنا من أثر الفاقة والعسر.. سأعود لأحضنك، وأؤنس وحدتك، وأزيح عنك كل أسباب السآمة والضجر.”

ترتفع الطائرة محلقة في سماء المتوسط، باتجاه تونس، وقلب رفيق يحلق معها، كعصفور يأخذه الحنين إلى العش بعد غياب.

يطرق رفيق الباب منادياً:

  • “افتحي يا أماه. ها أنذا أعود للقائك!”

يفتح الباب ليطل منه وجه كهل، ومن ورائه امرأة وطفلان.

  • “عفوا، أليس هذا منزل أمي؟ أنا ابنها قدمت للتو من إيطاليا.. أليست موجودة؟”

يجيبه الرجل:

  • “هذا المنزل.. أنا من اشتريته منذ نصف عام.”

حيال موقف لم يكن يتصور أن يجد نفسه فيه، تقهقر رفيق صامتًا، مدهوشًا لأول وهلة، ثم مضى مبتعدًا عن المكان وهو يردد:

  • “غير معقول.. لا أصدق ذلك يا أمي! كيف بعتِ بيتك؛ مقر سكنك وأمانك في الحياة؟ فعلت كل ذلك من أجل توفير المال لمساعدتي؟ يا لقلبك الكبير! يا لعطائك الوافر! يا لتضحياتك التي لا حد لها!”

ولم يطل برفيق التفكير قبل أن يعتزم التحول إلى منزل عمه ليعرف منه المزيد عن حقيقة ما جرى.

بملامح متوترة، يجلس رفيق منصتًا لمحدثه، الذي باشر كلامه بنبرة استياء واضحة:

  • “لقد ساءني أن تقيم أمك بدار المسنين، بعد أن فرطت بمسكنها.. ولا أحد يعلم حتى هذه اللحظة كيف أنفقت المال الذي كان بحوزتها..”

يرد رفيق متحمسًا:

  • “سيعود كل شيء كما كان.. سأرمم ما لحقنا من بؤس الأيام، وأعوض قلب أمي عن كل ما أحزنه وأبكاه…”

الكاتب الهادي نصيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *