جدلية “السر” والوجود في السرد العراقي المعاصر للكاتب ماجد القيسي

في رواية “أسرار لا تنام”، يضعنا أحمد عبد الحسين أمام مرآة قاسية، لا تعكس ملامحنا فحسب، بل تعكس تلك الظلال التي نهرب منها. منذ الصفحة الأولى، تدرك أنك لست بصدد قراءة “حكاية” عابرة، بل أنت أمام عملية تشريح لتركة ثقيلة من الخوف والندم. الروائي هنا، بوعي الشاعر، استطاع تحويل “السر” من مجرد معلومة مخبأة إلى “كائن حي” ينمو ويتوحش بمرور الزمن.

ما يميز بناء الرواية هو قدرة الكاتب على رسم الشخصيات المأزومة ببراعة؛ فشخصية “البطل” ليست مجرد محرك للأحداث، بل هي تجسيد للصراع الأزلي بين الرغبة في التحرر وسطوة الماضي. حين يتحدث عبد الحسين عن تلك البيوت العراقية المغلقة، هو لا يصف جدراناً، بل يصف “سجوناً اختيارية” بناها أصحابها لحماية أسرارهم، فاكتشفوا لاحقاً أن السر هو الذي يحرسهم من الحياة ذاتها.

أتعجب أحياناً من قدرة السرد هنا على الموازنة بين “جزالة اللفظ” وقسوة الموقف؛ ففي اللحظات التي يتوقع فيها القارئ انفجاراً درامياً، يلجأ الكاتب إلى الصمت أو الحوار المقتضب الذي يشبه “وحي القلم” في تجلياته الصادقة. ألم تكن تلك الأسرار هي التي منحت حياتهم معناها الوحيد؟ هذا السؤال البلاغي يظل معلقاً في ذهنك وأنت تتبع خيوط الحبكة التي لا تنفك تتعقد كلما اقتربت من الحل.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن الرواية في بعض مفاصلها كانت تميل إلى الإغراق في التجريد، مما تطلب مني كقارئ وقفات للتأمل خشية الانفصال عن الواقعية المفرطة التي تفرضها أحداث الزمان والمكان. لكن هذا القلق سرعان ما يتبدد أمام الصور اللغوية البشرية التي يبرع الكاتب في صياغتها، مثل وصفه لثقل الذاكرة وكأنها “جسد آخر نمشي به”.

“أسرار لا تنام” هي شهادة أدبية عن جيل عاش في الظل، وحاول أن يصنع من صمته لغة.

هي رواية تدفعنا للتساؤل: هل نحن حقاً من يملك أسراره، أم أن أسرارنا هي من تملكنا وتحدد مساراتنا؟ في النهاية، خرجتُ من الرواية بشعور غريب؛ كأنني غسلتُ روحي بمطر الديوانية الغزير الذي يطهر الطرقات، لكنه لا يستطيع دائماً أن يصل إلى أعماق تلك الغرف الموصدة داخلنا.

إنها تجربة قرائية لا تنتهي بانتهاء الورق، بل تبدأ فعلياً حين نغلق الكتاب وننظر في عيون من حولنا، متسائلين عن الأسرار التي تسكنهم ولا تنام.

 

الكاتب ماجد القيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *