حين استمعت إلى همهمات الصخور للكاتب الإعلامي زياد جيوسي

لعل عنوان المعرض التشكيلي “همهمات الصخور” للفنانة الأردنية من أصول قوقازية فاديا ماتوخ هو أول ما شدّني لحضور المعرض الذي افتُتح في قاعة زارا سنتر في عمّان مساء 2/10/2024.

فقد أنسنت الفنانة الصخور، وجعلت منها كائنات حيّة تتنفس وتصدر همهمات، آخذة بيد المتأمل في اللوحات إلى رحلة خيالية بين صخور البتراء الوردية والملونة، والسيق والخزنة في إحدى وعشرين لوحة، وبين شروق وادي رم وغروبه، وأعمدة الحكمة السبعة، ونقوش الطبيعة والجبال، والنقوش الحجرية في ثماني عشرة لوحة.

كنت أقف بصمت وأشعر بالصخور تلقي على مسامعي قصائد ملونة بنكهة المكان وسحره، فلكل مكان طعم وملمس وعبق خاص، وبين صخور البتراء وسحر وادي رم وجدت نفسي كفراشة هائمة بين وردتين، تستحضر ذاكرتي شريطًا من الزيارات والجولات السابقة لهذين المكانين، ومئات اللقطات التي وثّقتها عدستي لسحرهما.

البتراء

كان المحور الأول في المعرض مخصصًا للبتراء، حيث ركزت الفنانة على أربعة محاور أساسية. خصصت اثنتي عشرة لوحة لصخور البتراء الملونة، التقطت فيها بعينها الفنية جمالية الصخور التي هي بحق إبداعات الخالق في الطبيعة، وحوّلتها من صخور صمّاء إلى لوحات فنية نابضة، تكشف جماليات قد تمرّ على كثير من الزائرين دون انتباه خاص.

بعضهم يكتفي بالإعجاب العابر، وقليلون هم من يلتقطون هذا الجمال ويحيلونه إلى فن خالد، سواء عبر الريشة أو عدسة التصوير. والفنانة هنا لم تكتفِ بنقل جمال الصخور بالألوان، بل مزجت في العديد من اللوحات حصى ورمال هذه الصخور، فجاءت اللوحات نافرة الملمس، أقرب إلى القلب، وكأننا نستمع فعلاً لهمهمات الصخور.

في غالبية هذه المجموعة، لجأت الفنانة إلى التكوينات العمودية، محاكية المشهد الشاهق لصخور البتراء، واعتمدت الأسلوب البنائي الفني، مما منح اللوحات مهابة وقوة، وأشاع الاعتزاز بتراث الأجداد الأنباط.

كما نجد أن عشر لوحات اعتمدت على تصوير مقاطع منتقاة من الصخور، تبرز تفاصيل الخطوط الطولية والأفقية والمنحنية، بينما لوحة واحدة فقط خرجت عن هذا النمط، فصورت كتلتين صخريتين متجاورتين، تاركة للمشاهد حرية التوقف عند الجمالية العامة أو الغوص في التفاصيل.

وادي رم

انتقلت الفنانة بعد ذلك إلى سبعة محاور عن وادي رم، أو كما يُسمى “وادي القمر”. كان الغروب محورها الأول، حيث أولته اهتمامًا خاصًا. ومعروف أن غروب الشمس في وادي رم له سحره الخاص؛ فالزوار عادة تُقلّهم مركبات الدفع الرباعي عبر الوادي للتمتع بالمشاهد، وتنتهي الرحلة إلى منطقة رملية واسعة يجلسون فيها موجهين أنظارهم نحو الغرب، انتظارًا للحظة الغروب الساحرة.

وقد جسدت الفنانة هذه اللحظات في ست لوحات، أبرزت انعكاسات الشمس على الصخور قبل غيابها، فخلقت تباينًا لونيًا بين الظل والنور، مع توزيع المشاهد في اللوحة بين كتل صخرية معتمة وأخرى مضاءة جزئيًا.

أما الشروق فكان المحور الثاني، حيث جسدته في ثلاث لوحات، لكل منها خصوصيتها في زوايا الإضاءة وتدرجات الألوان على الجبال والنباتات الصحراوية.

المحور الثالث كان النقوش على الصخور، حيث التقطت الفنانة مقطعين مختلفين أبدعت فيهما التعرية الجوية أشكالًا فنية، أحدهما مقطع طولي والثاني أشبه بأمواج البحر.

“همهمات الصخور” لم يكن معرضًا عاديًا، بل كان تجربة فنية قائمة على معايشة المكان والإنصات لروحه، حيث تحوّل المشهد الجامد إلى روح نابضة وألحان لونية، ومعايشة وملامسة الرمال والاستماع لموسيقاها التي استمعت لها بهدوء في ظل الصمت.”

الكاتب الإعلامي زياد جيوسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *