يُضفي الشاعر ألقاً في ذاكرة المستقبل حينما يترك ما يُبقيه حيّاً، فيواصل حضوره بعد أجيالٍ وأجيالٍ، ولنا في تراثنا الزاخر عِبرة.
فالموت المبكر لا يُشعرنا بالأسى عليه، ما دام منجزه حيّاً يُقرأ!
بعض الشعراء النابهين لوَوا رقبة الزمن لياً حتى أخضعوه لمشيئاتهم،
وما المتنبي والسيّاب ونيرودا وناظم حكمت وشيركو بيكه سى وحمزاتوف إلّا
(فاتحو أبواب) امتازت أشعارهم بغنائيةٍ مصحوبةٍ برؤيا مشرقةٍ وألمٍ ممضٍّ.
فالشعر بعدهم غير ما كان قبلهم.
ربما الانكسارات والخيبات في مشوارهم الفني لم تزدهم إلا تماسكاً ونضجاً وتحدّياً!
وكذلك هم كُثُرٌ في بلدي، أمثال:
البريكان – حسين لطيف – الصقّار – فوزي كريم – حسين مردان – رشدي العامل – وغيرهم،
توزّعوا على جغرافية الوسط والجنوب.
لاحظتُ من خلال متابعتي التي امتدّت سنيناً طوال أن بعضهم دثّروا أشعارهم بالرنين الحادّ الصائت حتى لو كانت الثيمة هامسةً لا تتطلب صخباً!
حرصاً منهم على الامتلاء الخارجي الصارخ إزاء الوضع المثلوم الذي عاشوه.
وتلك خصيصة تعلّق بها العراقيون دون سواهم، لأنهم وسط اللجّة دائماً،
فترى السبك والجزالة ورصانة الجملة ورنين القافية من أوليّات اعتباراتهم،
هكذا نهجهم منذ زمنٍ قديم.
قال السيّاب:
كالقمح لونكِ يا ابنةَ العربِ – كالفجر بين عرائش العنبِ
أو كالفرات على ملامحه – دعةُ الثرى وضراوةُ الذهبِ
لا تتركوني فالضحى نسبي – من فاتحٍ ومجاهدٍ ونبيّ
عربيةٌ أنا – أمّتي دمُها – خيرُ الدماءِ كما يقول أبي
وهذا النوع من السيك يعدّ مزدوجاً ما بين العمود والتفعيلة،
وبنيته كما جاءت بالسياق متوازنة لا لبس فيها،
حيث أمست مدخلاً لديوانه ذائع الصيت “المومس العمياء”.
فقد كان، رحمه الله، دقيقاً في اختيار ما يعتلج بذاته القلقة،
ربما لوصوله قمة النضج وهو عليلٌ يعدّ أيامه الأخيرة راقداً يترقّب الموت في الكويت عام 1964، عام رحيله المدويّ.
فالنص المتكامل يبعث الروح والألق بنفس صانعه، حتى لو تمسك به العدم،
على رأي بايرون،
والشاعر المجدّ يتمسك بلحظة الإبداع حين تلوح له وتولد،
يتشبّث بها ويعضّ عليها بقوّة،
بالأخص إذا ازدانت بقوة الدلالة التعبيرية وثراء المضمون وكثافة الصورة الشعرية.
قال شيركو بيكه سى:
ثَمّة أشياء كثيرة ينخرها الصدأ
يلفّها النسيان فتموت،
مثل التاج والصولجان والعرش.وثَمّة أشياء كثيرة لا تهترئ ولا يلفّها النسيان،
مثل: قبعة، وعصا، وحذاء شارلي شابلن.
وكما عرفنا شيخ الصعاليك الكركوكي جان دمو،
وثَراؤه الفكري الفاحش بالرغم من قلّته ونزرته في ديوانه اليتيم “أسمال”،
سنرى لاحقاً من هو أكثر إشراقاً — فالعراق ولّاد للناضجين.
الناقد عبد الهادي الزعر