تركت العائلة يستفردون بالبحر ورحت أجوب شوارع المدينة لأكتشف مآثرها وموضاتها وسيقانها. بالنسبة لمتزوج ذي ثلاث عيال وقط أحمق، التجوال وحيداً دون النسل هو أشبه بالبعث أو لحظات زيارة سجين.
فرحتي اكتملت عندما صادفت مظاهرة طلابية، فتذكرت شبابي المهدور وسنوات النضال، فرحت ألعن مع اللاعنين الإمبريالية النتنة والرأسمالية المتوحشة. لكن ما أشبه اليوم بالأمس، بمجرد ظهور أصحاب الهراوات تبخرت المبادئ وتبددت الشعارات وبدأت الهرولة.
كل المتظاهرين كانوا يعلمون إلى أين المفر، وحدي أنا كنت كلما ظننتني ابتعدت عن الهراوات أتفاجأ بنفسي أعدو باتجاههم.
من حسن الحظ كان في أحد الزقاقات معرض تشكيلي، فتسللت إليه واختلطت مع علية القوم. كانوا غارقين في تفحص اللوحات وتبادل النظريات الفنية وتلصص بعضهم على لباس بعض.
نفشت شعري وأمسكت عقب سيجار منته وبدأت أمر بين اللوحات رامياً نظرات عميقة ونافذة.
للأمانة الفنية، ذوقي في الألوان كذوق أمي في اختيار كِنتها، لكن الوقوف أمام اللوحات وإظهار الإعجاب يوحي بأنك من الطبقة المخملية، ولا شيء أحلى من سادية مجانية تخفف الغضب المكنون.
بعدما استرجعت أنفاسي، وقفت أمام لوحة بها خطوط وبقع أشبه بطبق معكرونة الثلاث صلصات الذي تتقنه زوجتي، وصحت:
“الله الله يا لروعة الإحساس وذكاء الريشة”
ثم لوحت بيدي كأن اللوحة وصلت نياط الروح.
سمعني بعض القوم وبدأوا يقتربون مني آملين أن يستكشفوا ما ألهمتني اللوحة دونهم، حتى نطقت إحدى العجائز:
“فعلا الفنان أكثر من المنحنيات للتعبير عن الآلام التي صادفته في المهجر.”
الظهور بمظهر الفاهم للفن لم يكن حصراً عليها، فأجابها مهرج آخر وهو ينفث غليونه:
“انظروا لطغيان الألوان الباردة، حتماً هو يرمز لموت زوجته. فعلا هذا ذكاء لافت.”
وبثالث يهمس لي:
“وأنت ميستر، إلى ماذا تظن أن الفنان كان يرمز؟”
اللعنة! الوغد صاحب شعر الذرة وفراشة العنق البلهاء أحرجني، لكنه مسترني أمام الملأ، وبات علي تفسير الفن لأهله.
تخالطت في ذهني شعارات المظاهرة الطلابية وتعابير اللوحة الطلائية، وأجبته باستعلاء:
“عزيزي.. العامة تقف عند الانطباع الأول للوحة، لكننا معشر النقاد أعلم الناس برسائل وإيماءات المبدعين. على عكس لوحاته الأخرى، هنا الفنان يرسل رسالة خفية؛ لاحظ طغيان الأزرق الذي يتوهمه البعض بحراً وبرودة مشاعر، إنه يرمز للبورجوازية ذات الدم الأزرق التي تطوق موارد البلد. الخطوط المتكسرة بالداخل هي صرخات المواطنين، وما تدرج الألوان المختلفة التي انصهرت في الأحمر الخافت إلا تلميح بديع ودعوة مبطنة لثورة في الأفق.”
انشغالي باللوحة أعماني عن تواجد كاميرات المراسلين الذين بقوا مشدوهين أمام تحليلي وكأنهم أمام لوحة الحرية لدولاكروا.
الموقف ازداد قتامة بتزامنه مع تعالي شعارات المظاهرة الطلابية وشعارات اليسار الناقم.
أما شعر الذرة الذي سألني فتقمص إدوارد مونش وصرخ:
“أبداً أبداً.. لا شيء صحيح مما قاله هذا الأخرق”
لكن القوم كانوا من خلال تعابير وجوههم يرون اللوحة تجسيداً صارخاً لما صرحت به، فبدأوا ينسلون واحداً تلو الآخر كعبيد إستمان جونسون.
لما رأيت نظرات المراسلين والوشوسات التي عمت المكان، علمت أن الأمور آيلة لسجناء فان خوخ، فتبخرت من المعرض.
في البيت، لقيت زوجتي مسمرة أمام التلفاز مع طبق فشار تقتسمه مع القط عنتر، تتابع لحظات توقيف فنان في معرضه. سألتني:
“منذ متى عملت ناقداً تشكيلياً وأنا أسمي الألوان بأسماء الخضر والفواكه؟”
فأجبتها وأنا أرقب الشارع:
“يا امرأة، حين يصبح الفن مرتعاً لمن هب ودب، فلم يمنع ذلك على النقد؟”
ثم طرق فرانسيسكو جويا الباب.
الكاتب عبد الغني تلمم