خيبة للكاتب الهادي نصيرة


 رحلت رفيقةُ العمر، فألفيتُ نفسي كالشريد، قابعا بمفردي في زاوية، مرتديا أسمالا رثّة، لم أعد أذكر تاريخ شرائها؛ فقد صرت، منذ فترة، أواجه مشكلة النسيان.

يعتريني شعورٌ بالغربة، حين أرى أبنائي في حالة انشغالٍ دائم؛ كلٌّ غارقٌ في تفاصيل مشاغله اليومية، لاهثٌ، يسابق عقارب الساعة، ولا وقت لديه لراحةٍ من عبء الهموم المتراكمة.

بعد طول انتظار، استقبلني مسؤولٌ في دار إيواء المسنين، وخاطبني محاولًا الظهور أمامي بوجهٍ بشوش:
“تفضل معي، لأصحبك إلى غرفتك!”

ظللت ممسكًا عن الكلام، مفكرًا فيما أنا فيه، إلى أن قطع مرافقي حبل تفكيري، مشيرًا، وهو يهمّ بالانصراف:
“عم حسن، هذه غرفتك. أتمنى لك إقامةً طيبة.”

أحسست بالتعب، فألقيت بجسدي على السرير، واستسلمت للنعاس، في جوٍّ خيّم عليه الصمت، وأثقله السكون.

وذات صباح، أخطرني المسؤول أن كهلين متقاربين في العمر قدما لزيارتي.
لقد صادف أن تزامن حضورهما مع تواجد الطبيب لإجراء بعض الفحوص الدورية للمقيمين بالدار.

وفيما كان الطبيب يهمّ بمغادرة غرفتي، ولج الزائران إلى الداخل.
كانا في حالةٍ عادية، قبل أن تشوب ملامحهما علامات التساؤل والحيرة.

بادرني أحدهما بإلقاء التحية، وأضاف:
“جئنا لزيارتك، والسؤال عن أحوالك يا أبي!”

لم ألتفت إليهما، ورفعت عينيّ إلى سقف الحجرة، قبل أن تأخذني نوبة سعالٍ حاد، أعقبها بلغمٌ وألمٌ ملتهمٌ في صدري.

لم أعد أستحضر ما دار بيننا من حديث… كل ما أتذكره أنني غمغمت ببعض الكلمات، ذاب أغلبها في سراديب ذاكرتي.
لكنني شبه متأكد من أنني سألتُهما عن سبب غياب زوجتي “أنيسة”، التي سبق وأن وعدتني بالزيارة.

لم يكن غريبًا أن أفقد التركيز؛ فلقد غدت أفكاري مشوشة، وكلماتي مضطربة.

تطلعت من حولي، فإذا بالزائرين قد تسمّرا في مكانهما، وراحا يتبادلان نظراتٍ مرتبكة…

الكاتب الهادي نصيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *